مــقــــالات
إعْدَادُ الهَياكِل الوزَارِيّةِ..تَقَالِيدٌ و توْصِياتٌ / المختار ولد داهى
الجمعة, 23 أغسطس 2019 10:33
alt

تعكف الحكومة المنبثقة عن أول تداول سلمي  على السلطة  بموريتانيا،هذه الأيام،  على إعداد الهياكل القطاعية للوزارات كخطوة تأسيسية لتحديد صلاحيات كل قطاع وزاري و معرفة مصادره البشرية و وسائله اللوجستية و تصفية"المُدَاخَلَاتِ"(بلغة أهل الكزرة) التى تؤجج عادة الصراعات بين القطاعات الوزارية.

كما يتوقع أن يكون إعداد الهياكل الوزارية خطوة تمهيدية لسد الفراغات الإدارية السامية  و المتوسطة الناجمة من جهة عن "النزيف التقاعدي"   الذى أضحي متكررا و بحجم كبير  فى الربع الأخير  من كل سنة و   المتأتية عن "الترقيات الوزارية"الأخيرة و ما خلفت من مناصب سامية شاغرة من جهة أخرى.

و يشاع على نُطُقٍ غير ضيقة أن مناسبة إعداد الهياكل الوزارية  عادة ما تكون فى أزمنة سابقة فرصة لرواج بعض التقاليد الإدارية غير الحميدة كإنشاء أو إلغاء  و إلحاق  أو  إبعاد و دمج  أو تفكيك بعض  الاستشاريات و الإدارات  و البرامج و المشاريع و المصالح  تصفيةً لحسابات شخصية  أو خَلْقًا لمراكز وظيفية غير مبررة ابتغاء تعيينات عائلية أو كِلْيَانِيَّةٍ،..

 و  مساهمة فى الحيلولة دون استنساخ بعض التقاليد  الإدارية غير الحميدة فى مجال إعداد الهياكل الوزارية  أعتقد أنه يتعينُ:-

أولا-التوصية باستيعاب كافة  المصادر البشرية القيادية الحالية:و المقصود بهذه التوصية هو العمل على صناعة الهياكل الوزارية بشكل يكفل لكل أصحاب المسؤوليات السامية و المتوسطة الممارسِينَ بقاء مراكزهم الوظيفية الحالية مما يطمئن على تأكيدهم فى  وظائفهم ما لم تكن هناك مبررات عجز  مهني واضح أو  خلل تسييري فاضح؛

ثانيا-الحذر من خلق مناصب وظيفية جديدة:من الوارد أن يتم الحذر من خلق مراكز وظيفية جديدة اتقاء لشبهات "العائلية و الكليانية السياسوية" و تفاديا لزيادة "نفقات التسيير  البيروقراطي" التى  لا يختلف إثنان على أنها بلغت فى الأشهر القليلة الماضية من "هذا العام الانتخابي" مبلغا أقل ما يقال عنه أنه "لا يتحمل الزيادة"؛

ثالثا-أسبقية الموظفين العموميين فى المسؤوليات الإدارية:قناعتى راسخة أفتأ أكررها و هي أنه من "الحرام القانوني و المهني و الأخلاقي"أن توكل مهام  عمومية سامية أو متوسطة  لغير الموظفين  العموميين ما دام هناك موظف عمومي واحد دخل الوظيفة العمومية سباقا و غلابا  ينام الضحى و يُفَرْقِعُ أصابعه جراء عدم الاضطلاع بمهام وظيفية.!! 

و أملى كبير فى أن   يُحِقَّ العهد الجديد برئاسة رئيس الجمهورية محمد ولد  الشيخ الغزوانى هذا الحَقَّ  و هو الذى اختار القسطاس المستقيم شعارا له فينصف الموظفين العموميين الذين  يمسك البعض منهم برؤوسهم متسائلين هل كان دخولهم للوظيفة العمومية السامية مسابقة و مغالبة  نعمة أم نقمة؟!.

رابعا-الحرص -وفق ما لا يخل بالنجاعة - على الممكن من التوازن العرقي و "تحت العرقي" فى التشكلةالإدارية:لا مراء فى أن المعيار الأوفى للاضطلاع بالمهام الإدارية هو الكفاءة العلمية و المهنية و الأخلاقية لكنه من الوارد التنبيه  إلى البحث عن "الحُسْنَيَيْنِ"من خلال الحرص ما أمكن على أن تعكس التشكلة الإدارية لكل قطاع وزاري "التعدد العرقي"و "التنوع تحت-العرقي"بما لا يخل و لا يضر بالهدف الأسمى للإدارة و هو نجاعة المرفق العمومي. 

خامسا-إرسالُ إشارات طمأنة  للمعارضة الديمقراطية: رأيى أن لا تمر فرصة سد فراغات الهياكل الوزارية  من غير إرسال إشارات تهدئة و طمأنة إلى المعارضة الديمقراطية من خلال تكليف بعض الأطر الأكفاء المشهورين بنضالهم ضمن صفوف المعارضة بمأموريات إدارية سامية تناغما مع البرنامج الانتخابي للسيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى الذى تعهد بتطبيع المشهد السياسي الوطني و بالعزل بين الوظائف السياسية و الوظائف الإدارية.

مشغل الثقافة ضرورة ملحة / الولي سيدي هيبه
الخميس, 15 أغسطس 2019 12:08

 

alt

ولأن رئيس الجمهورية أبدى ومنذ الوهلة الأولى، خلال حملته الانتخابية وأعلن من بعد في خطاب التنصيب، تعلقه بالثقافة في كل أبعادها، وقد عبر عن هذا الاهتمام بجزالة لفظية غير معهودة وصدق حمولة عارمة، كاشفة النقاب عن أهمية وضرورة العمل على مشغل الثقافة بكل أبعادها سبيلا إلى انتشالها من براثن المتلاعبين والمتهاونين والاستغلاليين لقشور مظاهرها من الطامعين الربحين بلا وازع وطني أو التزام بضوابط أخلاقية تراعي الجوهر والخصوصية والأصالة والجمالية والابعاد التاريخية.

وهو المشغل الملح الذي لا بد أن يبدأ العمل عليه بإيقاف النزيف من الخزينة العامة باتجاه "بؤر" تشفط بعض مخزونها كل عام، وقد أنشئت بالمزاج باسم محاور:

·        تثمين وصيانة "المدن التاريخية"،

·        تقدير "الثقافة" وتشجيع "الفكر"،

·        إحياء تاريخ المقاومة

وهي المحاور الثلاثة التي لم تستند – على الرغم ملامستها شغاف المواطنين وحبهم لمدنهم القديمة وتاريخ إشعاعها واعتزازهم بجهاد أجدادهم - على منطلقات منطقية مدروسة حتى يسهل التلاعب بعناوينها البراقة من أجل تحقيق أهداف غرضية ضيقة يتم على إثرها وبسهولة استنزاف الأموال من الخزينة؛ بؤر تصرف فيها أموال طائلة للتنظيم و تقسيم الجوائز المجاملة من دون مردود من أي نوعيفيد البلد في مساره التنموي المعطل، بل إن النتائج تأتي في أغلب الأحيان عكسية وبالغة الإضرار على:

·        المدن القديمة التي تضررت من جراء مهرجانات الضوضاء والتلوث الذين يوثران بشدة على هياكلها التي هد الزمن بعضها وأضعف الآخر، فيما لا يُجني من هذه المهرجانات الصاخبة أي عائد على السكان الأصليين الذين يقدمون مع ذلك للضيوف القليل الذي بحوزتهم،

·        الفكر الذي لا يجد طريقا إلى الجائزة التي تسمت بـ"شنقيط " لكثرة الأبواب المسدودة أمامه إن وجد لشدة المجاملات و قلة النضج الذي يضيف و يفيد، وخلو المكتبات أسطع دليل على غياب هذا الإنتاج الذي توزع على إثره الجوائز كل عام،

·        الجهاد الذي تحول إلى سوق نخاسة مرخصة وممولة يبيع فيها من شاء صكوك "المقاومة" المنزوعة صبغة "الجهاد" لكل من يدفع على خلفيات قبلية وعشائرية ومزاجية وفق أجندة تجارية تعتمد التحريف والخرافة والمذهب الفلكلوري والتغيب المتعمد والجاهل لمنطق التاريخ الأمين وانعدام المرجعية المكتوبة أو المصورة أو المحفوظة في متاحف تستجيب لتقنيات ونطم المتاحف في كل أرجاء العالم.

إنها محاور حق (إحياء تاريخ المدن القديمة، جائزة شنقيط للفكر والثقافة، تاريخ وأمجاد وبطولات المقاومة) يجنى بها باطل (تمويلات لأنشطة عقيمة، جوائز مجاملة وموجهة) في ظل الحرب الشرعية المعطلة على التخلف والغبن والتباين والإقصاء والجهل والفقر والمرض، وضعف التعليم والغطاء الصحي وغياب الفكر والانشطة الثقافية القاعدية والتوجيهية والمدنية، لا بد من مراجعة سياقاتها وترتيب شأنها ضمن سياسة ثقافية وتعليمية محددة المعالم وبحثية وعلمية مؤطرة ومقننة تعين وترعى الأولويات وضوابط الأطر المناسبة لتناولها بمقتضيات الموضوعية التي تضع الأمور في نصابها وترسم الأهدام وتدد المهام و تستشرف المستقبل الواعي و الواعد بالتوازن و التقدم والازدهار.

مرض الانترنت يجتاح المجتمع الموريتاني فهل يتعظون ؟! / المرابط ولد محمد لخديم
الأحد, 07 يوليو 2019 11:42

استيقظ الموريتانيون على انقطاع غير مسبوق في الانترنت الهاتف المحمول الجيل الثالث استمر قرابة الأسبوع وقد تعودوا منذ مايناهز العقد من الزمن على الابحار في عالم الانترنت بلا حدود ..فالناس يتصفحون يوميا المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة كل جديد ؟! ناهيك عن اولائك الذين أصبحوا محكومين لهذا النت على مر الزمان تارة للدردشة وتارة للتسوق وتارة لأمور أخرى....

  وللدولة مبررارتها المشروعة في هذا الانقطاع حيث كانت تبث صورا وشائعات من هنا وهناك من طرف جهات باتت معروفة عند الدولة..!!

  وقد استغلت هذه الجهات تأثير الشائعة في المجتمع الموريتاني  لما تمثله من تداول لدى فئات عريضة من الشعب الموريتاني يجد فيها البعض التأثير على الأحداث في مجتمع يهتم كثيرا بالقيل والقال.. خاصة بعد توفر وسائل خطيرة مثل الموبايل والانترنت ووجود ساحة خصبة لهذه الشائعات..

    والشائعة حدث أعيد إنتاجه عدة مرات وخطورتها أنها لا تعتمد على مصادر مباشرة موثوقة تأتى عادة لتغطى فراغا معرفيا تعذر سده بطرق السليمة...

     ولهذا فإنها تنتشر في المجتمعات التي لا تتوفر على طرق شفافة ومحايدة لتناول المعلومات الصحيحة كما هو الحال في مجتمعي وقد كتبت مقالا سابقا حول هذا الموضوع الخطير بعنوان: مجتمع الشائعات لايبني الدول!!

http://essirage.net/node/16066

        ولكن أرى  أن هذا الانقطاع كان اجابيا الى حد بعيد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والصحي فلأول مرة نرى الناس يتواصلون في مابينهم و يقرؤون الكتب التى كانت حبيسة أدراج المكتبات منذ سنوات كما أصبح الوقت له معنى  وقد يتسائل الوحد منا ماذا كنا نفعل طوال هذه السنين ان صفحتك في الفيسبوك أو الماسنجر أو الوات ساب أو تويتر لهي خير شاهد عليك بكل ماتفعل من خير أو شر فقد حشرنا العلم الحديث في الزاوية كما يقال ..

   ولم يترك لنا أي خيار فلم تعد هناك حجة لمن كانوا يوما يعملون في الخفاء, ولا يلتفتون للتحذيرات الشرعية. وذلك عندما أصبح المسجل والكاميرا جزء من حياتنا اليومية. أي أن أقوالنا وأفعالنا تسجل على شاشة الكون ولا يمكننا التهرب منها سواء كانت حسنات أو سيئات فهي مثل فاتورة الهاتف التي يعطيك البريد بعد تهربك من الدفع فان سجلا كاملا لتلك المكالمات يعرض أمامك ولا يسعك أن تتهرب منه وما يقال عن الكلام يصدق على أعمالك سواء في الظلام أم في النور.      

ونشرك على صفحتك للصور أو للمعلومات وتكراره تلقائيا في الموقع لخير دليل على هذا الكلام...

والوازع الذي يمنع من ارتكاب الجرائم ليس هو الدين في حد ذاته, فانه لايقدم لنا تشريعا فحسب, وانما يخبرنا أن صاحب هذا التشريع يشاهد كل أعمالنا من خير وشر كما تقدم آنفا..فنياتنا وأقوالنا وحركاتنا بأكملها تسجل بواسطة أجهزة هذا المشرع, ولسوف نقف بعد الممات أمامه,ولن نستطيع أن نفرض ستارا على أدق أعمالنا.    وهذا الخطاب يعيشه انسان اليوم واقعا بحيث أصبحت تقنيات الصوت والصورة ضرورة  لا غنى عنها في حياته اليومية فمن منا يمكنه ان يستغني عن هاتفه أو جهاز الكوبيوتر!!ولو أننا استطعنا الهروب من عقاب محكمة الدنيا, فلن نتمكن بالتأكيد من أن نفلت من عقاب صاحب التشريع السماوي) وهذه الآلات وثقت لنا بالصوت والصورة أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم 

   فأنظر مثلا مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك  والوات ساب ومايكتب ويسجل فيها مما يندى له الجبين وتقشعر له الأبدان!!! بمعنى أن ما يطبع تلك الكتابات والمكالمات هو غلبة الهوى، الذي جاءت الشرائع لتخرج المكلف من دواعيه إلى الدينونة لله في كل الأمور، وإسلام الوجهة إليه بالكلية، قال ابن عاصم:القصد بالتكليف صرف الخلق   @@  عن دعوات النفس نحو الحق.

  فالتقدم الجارف لـ"التقنيات الرائدة" يمارس سحراً رهيباً على الأجيال الجديدة. وإنَّا لنشهد تمجيداً للفتوحات المادية وللسرعة...  وهذا ما نتج عنه تحولا نوعيا خطيرا تمثل في بروز مشاكل متعلقة بالحياة الخاصة، مشاكل حول الحياة الشخصية المستقلة مست بالأساس الطبقة المتوسطة والعمالية، ويتعلق الأمر بتطوير ظاهرة جديدة داخل الحياة الشخصية، إنها فردنه الوجود الإنساني.

  حسب تعبير ادخارمور مضيفا أن خاصية الثقافة الجماهيرية تتمثل في كونها ستوفر للفئات الاجتماعية الصاعدة (طبقة متوسطة)، شباب، نساء، صورا إدراكية وقيما ونماذج سلوك جديدة أبطالها: الشخصيات السينمائية، ونجوم الموضة، ومقولاتها: المغامرة، والحرية الفردية، وغاياتها: الحياة والسعادة، والمتعة...الخ). وهذه الصور ونماذج السلوك أضحت من مكونات تفكير شبابنا و يمكن أن نلخص هذا الطرح  في معادلة أحد طرفيها البطن والفرج والآخر العقل والقلب وتكون المعادلة على الشكل التالي:العقل+القلب = البطن+الفرجوعليه يتحدد تعقلنا للأشياء حسب تفعيل طرفي المعادلة بالنسبة للطرف الآخر

   وتفسير ذالك أن الإنسان فيه غرائز دنيا تشده إلى تحت؟ وخصائص كريمة تدفعه إلى فوق؟ فإذا كانت هذه الخصائص أشد قوة ذهبت بالإنسان صعدا إلى آفاق الحق والخير والجمال. وإذا كانت مساوية لغريمتها ذهب السالب في الموجب وبقى المرء موضعه. وإذا كانت أضعف منها أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلم تراه إلى مبطلا شريرا دميم الروح. والذي أقصده أن تحصيل الكمال تحتاج إلى معاناة علمية وخلقية...فالكريم لن يكون كريما إلا إذا قهر نوازع الشح. والشجاع لا يكون شجاعا، إلا إذا هزم بواعث الخوف      ليس سرا أننا مازلنا نعيش حياة  " لفريگ"  الذي تسعه "أطناب الخيمة" في وجداننا وان اختلفت الخيام شكليا من الشعر والوبر الى الاسمنت.. ونسينا أو تناسينا أننا في الوقت نفسه لبنة من مكونات القرية الكونية العالمية وأن ما يحدث في تلك الأمم المتحضرة أو المتوحشة يؤثر فينا شئنا أم أبينا..وأن هذه الهواتف الذكية التى لا يخلوا منها بيتا هي ديدانهولقد تجسدت هذه الصور في مجتمعنا البدوي الذي يهرب من التفكير سواء بانغماسه في

الملذات، أو تكييفه لهذه العادات الوافدة مع عقله الجمعي ويبدوا أنه في مكالماته ومشاركاته ينشط دائما طرف المعادلة السلبي البطن+الفرج بدلا من العقل+القلب       وبهذا يثبت عندنا قطعا أن كل ما ينطق به الإنسان يسجل وهو محاسب عليه إن مناقشتنا لجانب المسألة إنما يؤكد وجود ملائكة يسجلون كل ما ننطق به من كلام

مصداقا لقوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)  سورة ق الآية: 18وليس القول وحده هو الذي يسجل فعملنا أيضا يسجل على صفحات الكون     فالعلم الحديث يؤكد أن جميع أعمالنا- سواء با شرناها في الضوء, أم في الظلام, فرادى أم مع الناس – كل هذه الأعمال موجودة في الفضاء في حالة الصور, ومن الممكن في أية لحظة تجميع هذه الصور, حتى نعرف كل ما جاء به إنسان من أعمال الخير و الشر طيلة حياته, فقد أثبتت البحوث العلمية أن كل شيء -حدث في الظلام أو في النور, جامدا كان أو متحركا- تصدر عنه (حرارة» بصفة دائمة, في كل مكان, وفي كل حال, وهذه الحرارة تعكس الأشكال وأبعادها تماما, كالأصوات التي تكون عكسا كاملا للموجات التي يحركها اللسان. وقد تم اختراع آلات دقيقة لتصوير الموجات الحرارية التي تخرج من أي كائن, وبالتالي تعطي هذه الآلة صورة فوتوغرافية كاملة للكائن حينما خرجت منه الموجات الحرارية كما هو مشاهد الآن في التلفزيون والتقنيات الرقمية عالية الجودة ويمكن استرجاع هذه الصور مرة أخرى... ومشكلة هذه الآلات أنها لا تستطيع تصوير الموجات الحرارية إلا خلال ساعات قليلة من وقوع الحادث. أما الموجات القديمة فلا تستطيع هذه الآلات تصويرها, لضعفها وتستعمل في هذه الآلة( أشعة افرارد) التي تصور في الظلام والضوء على حد السواء ومعنى هذا أن حياة كل منا تصور على مستوى عالمي, كما تسجل آلات التصوير الأوتوماتيكية جميع تحركات الممثلين السينمائيين..أو عن طريق أجهزة التصوير التي ركبتها دول لتجسس على أشخاص في أدق تفاصيل حياتهم وقد أخبرني أحد الخبراء في هذا المجال أن أمريكا وبريطانيا ينفردان بالتصنت على جميع مكالمات العالم..

    وفي آخر إحصاء لخطوط الهواتف بلغت خمسة مليارات خط هاتف في جميع أنحاء العالم وهذا الرقم قابل لزيادة باستمرار.. والغريب أن هذه الدول هي التي كانت تتخذ من حرية الإنسان والعالم الحر عنوانا براقا تتستر ورائه, وتناسى هؤلاء أو غاب عنهم أن هذا الستار شفاف وقد فضحته أجهزتهم يقول الشاعر: ثوب الرياء يشف عن ما تحته  @@  فإذا التحفت به فانك عاري ومن هذا نصل إلى أن جميع تحركاتنا تسجل على شاشة الكون ولا يمكننا منعها أو الهروب

منها, سوا أكنا في النور أو في الظلام. فحياتنا كالقصة التي تصور في الاستديو, ثم نشاهدها على الشاشة بعد حقب طويلة من الزمن, وعلى بعد كبير من مكان التسجيل, ولكنك تشعر كأنك موجود في مكان الأحداث, وهكذا شأن كل ما يقترفه الإنسان, وشأن الأحداث التي يعيشها فان فيلما كاملا لتلك الأحداث نعيشه واقعا منذ الولادة وحتى الموت ويمكن عرضه في أي وقت...  فكل ما يدور في أذهاننا يحفظ إلى الأبد, وكل ما ننطق به من كلمات يسجل بدقة فائقة, فنحن نعيش أمام كاميرات تشتغل دائما, ولا تفرق بين الليل والنهار مثل موبايلك الذي يضبط كل ما تقوم به بدقة تامة علمت ذالك أم جهلته.. وعليه فان العلوم لم تترك لنا أي خيار ولم يبق أمامنا إلا أن نسلم بأن قضية كل منا سوف تقدم أمام محكمة إلهية وبأن هذه المحكمة هي التي قامت بإعداد هذا النظام العظيم لتحضير الشهادات التي لا يمكن تزويرها.ونرتل بكل خوف وإجلال قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾الكهف الآية:49والعلاقة الوحيدة الصحيحة بين الناس ورب الناس هي إسلام الوجه له, وإحسان الاستمداد منه, والاعتماد عليه, واعتبار الدنيا مهادا للآخرة وجهادا لكسبها...    والإسلام حسب الحديث الصحيح هو:شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإيقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا " و الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ". والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يــراك" رواه البخاري. عندما نعيد قراءة هذا الحديث النبوي الشريف مرة أخري بتمعن , وتفكر في معانيه لا بد أن يستوقفنا سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان .. وجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر"، مسلم.   فالعدوان على الأعراض فاحشة فإذا أصابت هذه الفاحشة امرأة الجار كانت أعظم، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه، ويقول له أدخل النار مع الداخلين" بن أبي الدنيا.إن من أبغض الناس إلى الله، امرءا يظهر بين الخلق بالصلاح والخشوع فإذا أمكنته رذيلة وهو منفرد لم يتورع عن الإيغال فيها.   عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال تهامة، بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا". قال ثوبان يا رسول الله، صفهم لنا جلهم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم.   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هم فإخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". ابن ماجهوالعقوبات المعجلة أو المؤجلة سياط لابد منها لقمع الغرائز الشرسة في الحياة الإنسانية والإجرام الفردي والدولي لا تعني في رده الخطب والنصائح، بل لابد من حسم الشر بالشر ولابد من التخويف بالأذى القريب أو البعيد لفطام الناس عن شتى الأهواء الخبيثة إن الإسلام يريد أن تستقيم أجهزتك النفسية أولا، فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة بصدق اليقين وسلامة الوجهة، فكل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة. ولن تصل إلى هذا إلا إذا كنت دائما تحاسب نفسك بنفسك!!    فما من عمل هام إلا وله حساب يضبط دخله وخرجه، وربحه وخسارته. إلا حياة الإنسان فهي وحدها التي تسير على نحو مبهم لا يُدرى فيه ارتفاع أو انخفاض.هل يفكر أكثرنا أو أقلنا، في إمساك دفتر يسجل فيه ما يفعل وما يترك من حسن أو سوء؟ ويعرف منه بين الحين والحين رصيده من الخير والشر؟ وحظوظه من الربح والخسارة؟!لو أننا نخبط في الدنيا خبط عشواء، ونتصرف على ما يحلو لنا، دون معقب أو حسيب، لجاز علا تفريط وحمق أن نبعثر حياتنا كما يبعثر السفيه ماله، وأن نذهل عن الماضي وما ضم من تجارب وأن نقتحم المستقبل متهيبين خطأ أو خطيئة!!فكيف ولله حفظة يدونون مثقال الذرة، ويعدون لنا قوائم بحساب طويل!! أما يجب أن نستكشف نحن هذا الإحصاء الذي يخصنا وحدنا؟    أما ينبغي أن نكون على بصيرة بمقدار ما نفعل من خطأ وصواب؟    الحق أن هذا الانطلاق في أعماق الحياة دون اكتراث بما كان ويكون، أو الاكتفاء بنظرة خاطفة لبعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة، الحق أن ذلك نذير شؤم.وقد عده القرآن الكريم من الأوصاف البهيمية التي يعرف بها المنافقون الذين لا كياسة لديهم ولا يقين ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ سورة التوبة آية 126  وعلماء التربية في الإسلام متفقون على ضرورة محاسبة المرء لنفسه تمشيا مع طبيعة الإسلام، وإنفاذا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم" الترمذيوقوله: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله" المنذري

    الإنسان في لحظات ضعفه ينسي حقيقة رسالته في الحياة, وحاجته إلي رعاية الله في كل لحظة من لحظات وجوده علي هذه الأرض. وعندما ينسي الإنسان ذلك فإن قلبه يخلو من تعظيم خالقه, وحينئذ يأخذه الغرور بقوته.وبعلمه.وينسى نفسه!!  فهل يفيق رواد الانترنت ويحاسبوا أنفسهم مستفدين من هذا الانقطاع الذي جعلهم يراجعون أنفسهم؟ ام أنها سحابة صيف عارضة وترجع حليمة لعادتها القديمة!! 

........................................................................................

الهوامش:

  محمد الغزالي:ركائز الإيمان بيت العقل والنقل, دار لقلم دمشق, ط,4 ,1420ها 1999   

  محمد الغزالي : جدد حياتك, دار القلم: دمشق , الطبعة 15، 2003 م وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى، ترجمة، ظفر الإسلام خان، (مدخل علمي إلى الإيمان)، مراجعة وتقديم، الدكتور عبد الصبور شاهين، الطبعة الثانية، المختار الإسلامي 1964 معبد الكريم بكار: تجديد الوعي, دار القلم, الطبعة الأولى, 1421 ها ـ 2000 م دين الفطرة:استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة انسانية,المرابط ولد محمد لخديم,تصدير الأستاذ الدكتور محمد المختار ولد أباه, رئيس جامعة شنقيط العصرية والشيخ الدكتور أمين العثماني عضو اللجنة العلمية والتنفيذية للأكاديمية الهندية بدلهي الهند,تقديم:الأستاذ الدكتور:أحمدو ولد محمد محمود,رئيس قسم الفيزياء بكلية العلوم والتقنيات جامعة العلوم والتكنلوجيا والطب موريتانيا,والمفكر الاسلامي,سمير الحفناوي جمهورية مصر العربية,الطبعة الأولى الأكادمية الهندية بدلهي سنة 2010م الطبعة الثانية:دار المعراج,دمشق/بيروت سنة 2014

لعب في الثابت والمتغير في الخطاب السياسي
السبت, 11 مايو 2019 14:31
alt مختار زيدان

يروى أن عمر الخيام حكيم نيسابور كان يأتيه فقيه ذو وجهين يطلب علمه غلسا في خلإ، ثم إذا كان في ملإ أطلق لسانه في سب شيخه الخيام، فدعى الخيام أهل المزامير والطبالين إلى منزله فجرا ولما دخل المتفقه ذو الوجهين أمرهم بالنفخ والضرب حتى اجتمع الناس متعجبين ، فخاطبهم عمر الخيام قائلا : هذا فقيهكم الذي عرفتموه يشتمني فإن كنت كما يقول لسانه فلم يسعى في طلب علمي وإن كنت كما تقول أفعاله فلم يسلقني بلسانه؟ لم يكفنا مثقفونا مؤونة الكتابة والتبيين للمتحول والثابت في الخطاب السياسي، وأجد هنا من المهم جدا الإشارة إلى أن الساحة السياسة تحوي ما لا يحصر من المتغيرات وقليلا جدا من الثوابت ، وكل دراسة أو مقاربة لهذه الساحة - لتصل إلى شيء ما - ينبغي أن تكون متأنية وليست على أبواب موسم انتخابي. أستطيع القول إن الثوابت في الخطاب السياسي في بلادنا هي كالتالي : - الدين : ومايعتبر ثابتا هنا هو المنطوق الصريح – الضروريات – لا ما يحتمل التأويل. - الوحدة الوطنية : إذ تعتبر مصدر قوة لامصدر قلق وشقاق. - الأولويات والإشكاليات الوطنية الكبرى : كالفقر – وتدني التعليم- وفشل النموذج الاقتصادي-غياب البنية التحتية الضرورية - حق السياسي في الاستقطاب والحشد لفكرته، دون محاكمة الآخرين كأشخاص بل مجادلة الفكرة بالفكرة. - حق السياسي في انتقاد الوضع العام، والسياسات العامة، دون مبالغة ولا تهويل، ونقد الفكرة وتشريحها لانقد الشخص. - حق الانتساب للتيارات السياسية والترويج لها دون قيد أو شرط، مادامت أحزابا معترفا بها رسميا. - ما يعمر بالأخطاء والتبعات السياسية هو ذمة الحزب أساسا وقادتها إلى حد كبير، أما الأفراد مادام الحزب قائما فلهم الحق في الاستقالة منه ولا يجوز إلحاق صفة حزبية بهم بعد ذلك. وقد حصل أن سارعت إلى دعوة الخيريين من أبناء البلاد – في مقالي الأخير -غزواني رجل المرحلة - من المعارضة خصوصا للالتحاق بركب التغيير الآمن ، فانزاح رجال من الوزن الثقيل لجانب مرشحنا مرشح الإجماع الوطني ، وهذا يبين النضج السياسي الذي بلغوه وتغليبهم لمصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية حيث بنوا شعبيتهم على النضال الحقوقي والسياسي، وقد لاتستوعب بعض شعبيتهم هذه التموقعات الجديدة التي تمليها الفرصة السياسية التي أتاحها الرئيس الحالي عبر امتناعه عن الترشح لمأمورية ثالثة، وعبر ترشح رفيق دربه الوفي وأمين سره ابن المشيخة الصوفية الخلوق محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني . وكما توقعت تماما – في مقالي السابق غزواني رجل المرحلة- ارتفعت عقيرة بعض الطفيليين الذين يرون كالمنافقين أن كل صيحة عليهم. ارتفعت حناجرهم بالغمز واللمز، في محاولة منهم لتثبيط المنضمين الجدد لحملة مرشح الإجماع الوطني، بل بلغ بأحدهم الحنق والغيظ أن حاول الشماتة فيهم بوصفهم بالوفود ، مقارنة بالوفود المسلمة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بمقدمها وقال في بعضها هم خير أهل المشرق وفرح بها صحابته لأنها زادتهم قوة وأظهرت دين الله. وهو قياس غير وارد ولا وجه له على جهة التنقيص. أما من غاظه مقدم الوفود وكثرتها فهم المنافقون الذين كانوا ينتظرون انهيار الإسلام في كل لحظة، فبغض الوافدين على الحق فهو من أفعال رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول، والذي لم يسره مقدم الأنصار أصلا والذي هلك في سنة تسع سنة مقدم الوفود. ولم يكن الرجوع إلى الحق يوما عيبا، كما يقول العلامة محنض بابه. ليس من أخطا الصواب بمخط ... إنْ يَؤبْ لا ولا عليهِ ملامَهْ إنما المخطى المسي من إذا ما ... ظهر الحق لج يحمى كلامه حسنات الرجوع تذهب عنه سيئات الخطا وتنفي الملامه ولكنه ضيق الأفق والانتهازية حين تعتري المثقف فينتفخ سحره لمجرد انضمام وافد جديد. ويتبين هنا خرق هذه الجوقة الانتهازية لأحد ثوابت الخطاب السياسي الاستقطابي وتبني الخطاب التنفيري بغيا أن ينفردوا في الساحة الإعلامية غير واعين بخطورة اللعب بالثوابت وتحويلها. نجزم أن الوطن يسع الجميع ولاداعي لزرع الشوك في حقول السياسة فالسياسي الناجح هو الذي يستقطب الناس لفكرته ولا يراهم عالة على راتبه الهزيل. من هنا كان الأولى أن نرحب بجميع المنضمين من جميع أطياف السياسة لدعم مرشحنا مرشح الإجماع الوطني. والأخطاء السياسية في الحالة العادية، تتحملها ذمم الأحزاب وإلى حد ما رؤساءها خصوصا وليس الأفراد، وبالرغم من كوننا نرى أنه قد كان الأجدر بحزبي تواصل والتكتل أن يعلنا دعمهما اللامشروط لمرشحنا أو على الأقل أن يعلنا حيادهما في هذه الانتخابات الرئاسية ، ولكن يبقى أن نتذكر أن المعارضة جزء صحي من أي مشهد سياسي طبيعي. وهنا أشيد أنه من حق كل منتسب لحزب سياسي الانسحاب منه في أي اتجاه دون توجيه اللوم له على تاريخه الحزبي ، إذ يوقعنا ذلك في نوع من التناقض الأبله، فكيف نلوم شخصا على فعل ونلومه حين يتركه / نحن حينئذ نحكم عليه بالإعدام السياسي أو بالبقاء في خندقه فدائيا لحين موته وهذه محالفة لثابت سياسي مقرر. ونحن نشيد بالخطاب المنفتح الذي ألقاه مرشحنا في حفل إعلان ترشحه، ونعتبره نقطة قوة وجاذبية ونرحب بمن لبى نداءه من الأغلبية التي سارعت لدعم ترشحه، أو المعارضة التي تلكأت وأتت وجوهها أخيرا فرادى، لتكمل المشهد ، والأغلبية أو أغلبها وطني يعي مصلحة الوطن ويغلبها على أية مصلحة أخرى، وهي التي دعمت الرئيس الحالي طيلة مشواره السياسي، على أساسها، لكن أفرادا مدعين للثقافة ويسترزقون بها كانوا ومازالوا يدعمون الرئيس لأنه أعطاهم ولو منعهم لقالوا فيه مالم يقله مالك في الخمر، وإلى هؤلاء نوجه اللوم لتنفيرهم للناس وفضهم لهم وبحثهم في نياتهم ومحاولاتهم إلصاق عار بهم، هم منه براء. أشرت لجوقة النفاق هذه في مقالي السابق وهاهي اليوم تصدقني بأفعالها ، هؤلاء المثقفون الذين لم يكتبوا يوما حرفا عن واقع متردي ولم يلتفتوا يوما لمصلحة المواطن نقول لهم "إنفضوا فلامرحبا بكم" ولا بأساليبكم الدعائية الضيقة التي تروج الكذب والخداع ، نحن واعون بكونكم بلا شعبية وبلا عمق اجتماعي وازن تهاجمون كل وافد على ركب التغيير والبناء الآمن، ولا تلتفتون لمصلحة الوطن ولا المرشح الذي تعلنون – تقية - دعمه خوفا على مصالحكم الشخصية الضيقة، فلتجلسوا بصمت في مقاعدكم ولتتركوا الكلام المفخخ المنفر باسم مرشحنا، فكلما استقطب بحكمته أفرادا مفيدين لفريقه حاولتم نقض غزله. بألسنتكم الحداد. فيا معشر من دعم بقلمه ولم يدعم بقلبه أمسكوا أسافينكم حتى لا ينقلب سحركم عليكم، كل متابع للحقل السياسي يعرفكم، ولايغرنكم حلم الرئيس ورفيقه مرشح الإجماع الوطني ، فوجودكم في المشهد رهن بخفض أصواتكم وإيقاف آلة التآمر التي جربتموها محاولين ثني الرئيس عن دعم ترشح رفيق دربه الأمين – رجل الظل كما سميتموه- ولم تفلحوا ، وها أنتم اليوم تحاولون شق صفوف الأغلبية بنعاقكم، فلتخسأوا ولن تعدوا قدوركم. هذا مرشح الإجماع الوطني يريد بناء الوطن وما أكثر ما كرر في جميع خرجاته أن ذلك لايصح إلا بتضافر جهود الجميع، فأبشروا إن كنتم من الجميع ، وإن كانت الأنانية طبعا فيكم فغادروا الحملة غير مأسوف عليكم. ونقول نكاية بهذه الميليشيات الثقافية المرتزقة، مرحبا بكل مواطن قرر دعم مرشحنا ، لاسيما السيد محمد محمود ولد أمات والسيد السفير المختار ولد محمد موسى والسيد عمر الفتح عبد القادر وغيرهم من قادة المعارضة التاريخيين الذين نعي حجم تضحياتهم ونقدمهم أمامنا في صفوف الداعمين لمرشحنا لأنهم رجال وطنيون طالما ما دافعوا عن مصلحة المواطن ولهم شعبية مخلصة ستكون سندا لهم ولمرشحهم. ونحن في غنى عن القول أن هذا الخطاب الإعلامي بأصنافه، لايمثل توجه مرشحنا، لما فيه من تلاعب بالثوابت السياسية، إذ يقتطع مشاهد تاريخية ليوحى أن أصحابها كان مذمومين بينما كانو محمودين بنص الحديث، وينفر المنضمين بينما دعاهم المرشح صراحة للانضمام إلى صفوف حملته، ويعير بالمواقف السابقة بينما كان الأولى به الصمت حتى لايجر تاريخه الحربائي للعلن، ومع ذلك لم نشهد هذه الحماسة في خطابهم لإبداء أي رأي حول أي موضوع آخر يمس حياة الناس إذ لاتعنيهم من بعيد ولاقريب ، ولئن كانت هذه الجوقة تبطن ما لاتظهر فنحن نكل أمرها إلى الله ولانحاول إلغاء أحد ممن يدع

في رحـاب الشهـداء (1) / محمدٌ ولد إشدو
الاثنين, 22 أبريل 2019 08:38

 

alt

عن الثورة الجزائرية والنظام الموريتاني والكادحين وبوليزاريو وانقلاب العاشر يوليو

وبوركت تربا ضم مليون خالد ** كأنـك مـن أرواحهـم تتوقـد

  مفدي زكريا

لم تحظ ثورة عربية، باستثناء ثورة فلسطين، بدعم العرب، كل العرب، من محيطهم إلى خليجهم، كما ثورة الجزائر. ولم يبذل شعب عربي في سبيل عزته أغلى مما قدمه شعب الجزائر. ولم تخب الآمال في ثورة بقدر ما خاب الرجاء في ثورة الجزائر! وذلك لأكثر من سبب! مليون ونصف مليون شهيد وهبوا أرواحهم الزكية فداء للأرض والعرض، ومهرا للحرية والكرامة والهوية‍‍.. وجادت الأمة

العربية والإسلامية، والإنسانية جمعاء بالكثير الكثير لتلك الثورة. وكم كان حريا بشعب عظيم، كالجزائر، ينتمي لحضارة عظيمة، أن

يتمتع بثمار جهاده وخير بلاده، ويعيش حياة حرة كريمة، ويسهم على قدر آماله، والآمال فيه، وتطلعاته المشروعة، وإمكانياته الهائلة، في نهضة ورقي أمته والإنسانية جمعاء!

ولكن هيهات:

• "ثورة" في الثورة!

• حرب على الحدود!

• انقلاب على السلطة الثورية الشرعية، ونظام عسكري!

• حرب على الصحراء!

• وأخيرا.. الحرب الأهلية!

أوراق رابحة، لعبتها قوى الاستعمار والصهيونية القابضة على البسيطة، في تخريب ثورة غيرت خارطتها وزلزلت نظامها، وهدت مصالحها في أكثر من موقع، ورأت في القضاء عليها وسيلة لبلوغ بعض مآربها:

ـ وقف المد الناصري، والثورة العربية التي اجتاحت آسيا وإفريقيا وتدق أبواب أوروبا في الجنوب.

ـ تمكين الصهيونية، وتكريس اغتصاب فلسطين.

ـ وأد الثورة في أمريكا الجنوبية

ـ الحفاظ على المستعمرات، وحماية الميز العنصري، في إفريقيا

ـ قهر الثورة الفيتنامية. وفي هذا السياق،وحده، تجد حادثتا اغتيال وزير خارجية الجزائر الشاب المرحوم محمد خميستي، والانقلاب على الثورة (في نفس السنة التي تم فيها الانقلاب على ثورتي إندونيسيا وغانا)، عشية انعقاد مؤتمر حركة عدم الانحياز، في نادي الصنوبر بالجزائر، تفسيرهما المنطقي!

***

تعود صلتي المباشرة بالثورة الجزائرية، إلى لقاء بعض أفراد البعثة القضائية الموريتانية (قضاة تونس) بشيخ جزائري ثائر، من أتباع الشيخ عبد الحميد ابن باديس، يدعى نعيم النعيمي. وذلك سنة 1961 في تونس، التي احتضنت ثورة الجزائر، وآوت حكومتها المؤقتة، وثوارها ولاجئيها!

كنا والشيخ ننتمي للمدرسة الأصلية، ونحمل هم الانعتاق من الغرب، ونحلم بالحرية. . فتجندنا معا في مؤازرة الثورة. ومن منجزاتنا، يومها، إصرار بعضنا على حضور موريتانيا الوليدة، في الاستقبال الفريد الذي خصصته تونس كلها لـ "الأحرار الخمسة"! فانضوينا، صحبة الشيخ الشاب محمد سالم بن عدود، تحت علم جزائري وآخر موريتاني من تصميمنا، وحملنا إلى بن بلله ورفاقه الأحرار باقة زهور منضدة بألوان علمي البلدين.. وقد حملت فكر وذكر تلك الثورة إلى بلادي، وسميت أخي الأصغر أحمد بن بله وابنتي البكر جميله بوحيرد،!

***

أقلعت طائرتنا من مطار نواكشوط في الساعة الأولى من صباح يوم السبت 24/1/03 متجهة إلى الجزائر العاصمة.

لست أدري أكانت نفس الطائرة التي أقلتني إلى ذات الوجهة، منذ أزيد من ربع قرن، أم هي أختها الصغرى، أو ابنتها، أو حفيدتها؟

أوليست المادة أقوى وأصلب وأبقى من الإنسان؟ لذلك قال الجاهليون: "ليت الفتى حجر"! وفزِعت حضارات بابل ومصر إلى الحجر أملا في الخلود! واقتفى آثارها اليونان والرومان وغيرهم!

أما نحن، أمم الصحراء، فلنا رأي مغاير بحكم بيئتنا!

ألم ير ابن الكصري، مثلا، في رائعته "كلحمد"، وهو يحاور وادي لمريفك، تطابق أمده وأمد الوادي! بينما ذهب ابن مكين، وهو يندب وكره الخالي في "عيربات"، إلى أبعد.. مرجحا طول أمد الإنسان الذي عاش حتى وقف على الأطلال! وقبلهما صاحب التكفايه!؟ وكنت كتبت بدوري، سنة 84، في مقالة عن التصحر:"مأساة الإنسان أنه يعاني، عاجزا حتى الآن، معضلة فنائه! أما إنسان الصحراء فيعيش مأساتين: إنه يفنى. ويواجه، أيضا، فناء صنوه الطبيعة بوتيرة أسرع من وتيرة فنائه!" ..

لذلك، لا يلجأ إليها، بل يلجأ إلى الكلمة، سببا للبقاء والخلود!

***

مهما يكن من أمر.. كانت طائرتنا من نفس الطراز، وتابعة لنفس الشركة، وبها نفس الديكور، ونفس الخدمات، رغم مرور نحو ثلاثة عقود!

وفي المقابل كان الفرق شاسعا: فالفتى الثائر الخارج، يومها، من نزال ست سنوات أطاحت باتفاقيات التبعية لفرنسا، والفرنك الإفريقي، ودولة ميفرما، وأطلعت فجرا جديدا (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا) توشك أن تعصف به عواصف الصحراء الهوجاء! ذلك الفتى.. أصبح كهلا، يمتهن القانون، ويعشق العدل، ويعتنق الشرعية! تماثل واحد يجدر التنويه به هنا: في تلك الرحلة، اعتمرت، للتمويه، لمة سوداء داكنة جعدة مستعارة. وفي هذه، ألبستني الليالي لمتها الخلقة الشمطاء!

في رحاب الشهداء

من أين جاء اقتراحي لإنجاز مهمة كانت، في نظرهم، تكليفا لا تشريفا: قيادة أول وفد موريتاني إلى الجزائر، للمشاركة في احتفالات أول فاتح نوفمبر في ظل الاستقلال؟ لم تكن توجد يومها علاقات ديبلوماسية بين البلدين، فاتخِذَتْ صيغة إرسال وفد باسم رابطة الشباب الموريتاني، وإن لم أكن عضوا فيها! كان عمر استقلال الجزائر خمسة عشر شهرا، وكانت في حرب مدبرة ومدمرة مع المغرب، أضافت إلى مصائبها مصاعب جديدة، فتكسرت النصال على النصال. رفيقي في الرحلة رجل من الشعب لطيف ظريف هو المرحوم خطري بن باب حم النائب آنذاك في البرلمان. ليست لدي فكرة عن مصدر التذاكر، ولا عن تكاليف السفر، ولا حتى عن الطريق الذي سلكناه! ما أتذكره جيدا، هو استقبالنا في مطار الجزائر، مساء، من طرف الأستاذ توفيق المدني رحمه الله. وكان يومها وزيرا للأوقاف في حكومة الرئيس أحمد بن بلله، ويرئس وفد استقبال قاطن في المطار ليل نهار. ورغم أن الرجل قد تجاوز الستين، فإنه كان يرتدي الكاكي، كباقي أعضاء القيادة، ويثب، كالشبل، من أرائك قاعة الشرف، بين حين وآخر، كلما أعلن وصول وفد، من وفود العالم التي جاءت تحج حرم الثورة.

شاركنا في الاحتفالات، واستقبلنا من طرف الرئيس أحمد بن بلله!

ومن أهم الوقائع التي أتذكرها أيضا:

• عرضا عسكريا شارك فيه الكولونيل بومدين قادما من الجبهة، وكانوا يسمونه، قي ذلك الوقت: الغول، تعظيما؛ وذلك الحفل الذي أقيم، عشية فاتح نوفمبر، في قاعة سينما متواضعة، بحضور الرئيس أحمد بن بلله، وألقى فيه شاعر الجزائر مفدي زكريا قصيدة رائعة لا أزال أحفظ مقاطع منها، من بينها:

لوجهك ـ بعد الله ـ أعنو وأسجد** وإياك يا شعب الجزائر أعبد

وبوركت تربـا ضم مليون خالـد-- كأنك من أرواحهم تتوقـد

إلى أن يقول مخاطبا لجنة التحكيم في النزاع الحدودي، التي تشكلت، للتو، بمبادرة كريمة من دولة مالي:

وإن تسألوني في الحــدود فإننـي** سألتكـم بالله ألا تحـددوا

ذروهـا كماء البحر.. ما في عبابـه** حـدود.. ولا خصم به يتوعد

ثم يعرج على هموم الثورة، والأمل في القيادة، فيقول:

ومـا خاب فلك يهتدي بدموعـه       إذا كـان ربـان السفينة أحمـد

• لقاء أجريته مع السيد العفيف الأخضر أحد قادة اليسار الجزائري، وصاحب جريدة الثورة والعمل الناطقة باسم عمال الجزائر. وقد نشرت لي جريدته رسالة مفتوحة، وجهتها إلى الرؤساء جمال عبد الناصر، وأحمد بن بلله، وعبد الله السلال، طالبا منهم إنقاذ موريتانيا من عزلتها، وضمها إلى العالم العربي المتحرر، ونشرت مع الرسالة كاريكاتيرا للثلاثة وهم ينتشلون موريتانيا من هوة سحيقة.

• مقابلة مع شاعر الجزائر الكبير مفدي زكريا، حدثني خلالها عن قصته الغريبة مع الشعر. وملخصها أنه كان تاجرا، ولما اندلعت الثورة، واحتدمت معاركها، تحولت بضاعته أبيات شعر وقصائد عصماء! فالتحق بالثورة، وغنى لها أعذب أناشيد حدت ثورة عربية، كان زهرتها النشيد الوطني الجزائري:

قسما بالنازلات الماحقات** والدماء الزاكيات الطاهرات

والبنود اللامعات الخافقات** في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا فحياة أو ممات** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائـر

فاشهدوا.. فاشهدوا... فاشهدوا...

نحن جند في سبيل الحق ثرنا** وإلى استقلالنا بالحرب قمنـا

لم تكن تصغي فرنسا إذ نطقنا** فاتخذنا رنة البارود وزنــا

وعزفنا نغمة الرشاش لحنا** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا.. فاشهدوا... فاشهدوا...

صرخة الأوطان في ساح الفدا** اسمعوها.. واستجيبوا للنـدا

واكتبوها بدماء الشهــدا** واحفظوها لبني الجيل غـدا

قد مددنا لك يا مجد يـدا** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا.. فاشهدوا... فاشهدوا...

يا فرنسا قد مضى وقت العتاب** وطويناه كما يطوى الكتاب

يا فرنسا قد أتى يوم الحساب** فاستعدي وخذي منا الجواب

إن في ثورتنا فصل الخطاب** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائـر

فاشهدوا.. فاشهدوا... فاشهدوا...

وجمع شعر مفدي زكريا في ديوانه "اللهب المقدس" الذي اقتنيته قبل ذلك بسنتين من تونس، وقدمته، قبل استقلال الجزائر، حلقات في الإذاعة الموريتانية بمساعدة فني فرنسي، من أصل جزائري، كان يعمل بها يدعى روابح. و"للهب المقدس" دوره الأبرز في نهضة الشعر الموريتاني، خاصة لدى شاعرنا الأكبر أحمد بن عبد القادر. وقد زارنا مفدي زكريا في نواكشوط أثناء حرب الصحراء، وأحيا أمسية شعرية بدار الشباب، حمل فيها بشدة على نزار قباني، وعلى الشعر الحر الذي أسماه "بوليزاريو الشعر" رغم أنه يقرضه. وقد حاورته دفاعا عن المتهمين، وأثبت ليلتها براءتهما أمام الجمهور!

• الغنيمة التي جلبت معي من الجزائر! وتمثلت في حقيبة من الأشرطة، تحتوي ما لدى الإذاعة الجزائرية من الأغاني الثورية، المصرية، والجزائرية، كأناشيد الله أكبر، والوطن الأكبر، وهذه أرضي أنا، وقسما، وبني وطني، وكثير غيرها! وقد أخذ هذا الكنز طريقه إلى المستمعين، عن طريق إذاعة نواكشوط، بفضل السيدين روابح و الصحفي المرحوم خي باب شياخ، ليشكل قاعدة ثورة ثقافية عربية، اجتاحت المستمعين يومها، خاصة أثناء احتفالات الاستقلال التي جرت بعيد ذلك بأيام، وأثناء العطل والأعياد، ومنها ما استعذبه الجمهور، فصار يهدى في المناسبات، مثل نشيد بني وطني لعلية التونسية! (تعلم المطربة عليه الموريتانية أنها تحمل اسم عليه التونسية لكنها لا تعرف بالتأكيد كيف حصل ذلك، ولا من كان السبب!) وأغنية وردة التي جمعت بين الحب والثورة، والتي من كلماتها:

يا حبيبي ربع نادي الـــ**ـأنس ربع الذكريات

إنه مـأوى ذئــاب** كدرت صفو الحيـاة

يا حبيبي لم أخــن** عهدي ولا خنت هوايا

غير أن الحب أمسى** ثورة بين الحنايـــا

سوف ألقاك مـع النصـ**ـر بأعلام البشائــر

سـوف نبني عشنـا في** ظل تحرير الجزائـر!

***

على ذكر دور الإعلام. فلحسن الحظ لم تكن لنا، يومئذ، تلفزة نسيء استخدامها كما هي الحالة اليوم! وحتى السينما التي كانت محدودة الانتشار ويملكها ويديرها أجانب كانت أجزل شكلا وأغنى مضمونا وأعف لسانا من تلفزة اليوم ومن سينمائه.. أما الإذاعة فكانت، على ضعف وسائلها، أداة توعية وتنمية! فبغض النظر عن برنامج محدود جدا موجه للمغرب، كانت بها برامج اجتماعية مستنيرة، كبرنامج "الحضارة والنظام في القرن العشرين" للمرحوم أحمد بن احميد، وأخرى أدبية، غنية، لا تخضع للرقابة، ولا تهدف إلى التدجين، غايتها صالح المجتمع، لا عبادة الفرد! وكان فيها صحفيون مقتدرون، شكلا ومضمونا، كالمرحوم الأستاذ خي باب شياخ والأستاذ محمد محمود بن ودادي والأستاذ محمد بن سيد إبراهيم! وكان يتم اختيار مسئوليها من بين النخبة المثقفة: أحمد بابه مسكه، عبد الوهاب الشيگر مثلا!

المَدْرَسَةُ الجُمْهُورِيّةُ عِمَادُ دَوْلَةِ المُوِاطَنَةِ / المختار ولد داهى
الاثنين, 04 فبراير 2019 22:20
alt

لا أظن أن أحدا يجادل في أن "دولة المُواطَنِةَ" هي أحسن نموذج سياسي واجتماعي ومشروع مجتمعي يناسب بلدا كبلدنا "خفيف" وحديث الثقافة "الدولتية"، متعدد الأعراق، متنافر الأقطاب السياسية، مثخنا بالماضي الاسترقاقي، حبيس إرث التراتب الطبقي، شديد تباين النمو المناطقي، سحيق الهوة بين الفقراء والأغنياء، مترامي الأطراف، ساخن أو ملتهب الجوار الإفريقي والعربي القريب والجُنُبِ!!،..

ودولة المواطنة يمكن تعريفها بأنها "الحاضنة الوطنية الواحدة (الوطن) التي يشعر الجميع بشرف الانتماء إليها لأنها توفر المساواة النظيفة الكاملة والتكافئ التام الأبيض الناصع في الفرص بين جميع المواطنين بحيث تمحي وتختفي تدريجيا وتلقائيا الانتماءات "تحت المواطنية" "infra citoyenne" مثل العرقية والشرائحية والمناطقية...".

ومن المعلوم أنه إذا كانت الأسرة هي الخلية الأولي للمجتمع فإن المدرسة الجمهورية هي الخلية الأولى لدولة المواطنة ويمكن تعريف المدرسة الجمهورية بأنها "هي المدرسة العمومية أصلا والخصوصية لاحقا التي ينتسب إليها ويتعايش في فصولها ومساكنها الطلابية (إن وجدت) جميع أبناء الوطن علي اختلاف أعراقهم وألوانهم وألسنتهم ومناطقهم ومراكزهم الاجتماعية والمالية بحيث تذوب الفوارق وتتعود الأجيال الصاعدة علي أنها جميعا من موريتانيا وموريتانيا مكونة من أرض وشعب وقيم".

والإجماع منعقد عالميا بأن المدرسة الجمهورية هي عماد المواطنة من أقامها أخذ بأسباب قيام دولة المواطنة أحسن قيام ومن ضيعها فقد هيأ أساب التجاذب والفتن العرقية والشرائحية والمناطقية وخوفي "أزرق" شديد من أن نكون جميعا حكاما ونخبا قد ساهمنا ونساهم - فعلا أو تقريرا - في الحالة المتردية التي توجد بها المدرسة الجمهورية حاليا.!!

ولا أحسب أن مجادلا مدمنا علي المراء - فيما له به علم و ما ليس له به علم - يستطيع أن ينكر أن جميع المدارس العمومية اليوم لا تعكس مطلقا التعددية العرقية والشرائحية والطبقية بل إنها أضحت في المدن الكبري خاصة مدارس شبه صافية لشريحة معينة كما أن المدارس الخصوصية - فيما عدا استثناءات بسيطة هي مما يؤكد القاعدة - أضحت مدارس "شبه صافيةِ" العرقِ أو الجهةِ أو القبيلةِ أو المركز المالي مما جعل الكثيرين يقيمون على المدرسة الجمهورية (مدرسة التعدد و التنوع العرقي و تكافئ الفرص) مأتما وعويلا.!!

وإذا كان إصلاح التعليم 1999 قد أدخل إصلاحات مهمة بدأت تؤتي أكلها توحيدا للمناهج وانفتاحا على العالم وأولوية للشعب العلمية والتقنية وتركيزا على نوعية التعليم فإن الحاجة استعجالية الآن بعد مضي أزيد من ربع قرن إلى إصلاح جديد، جدي، ثاقب، جريء موجه إلى ترسيخ التعدد والتنوع العرقي والشرائحي والطبقي بالمدارس الوطنية العمومية والخصوصية.

وبما أن المدرسة صورة مصغرة للوطن فإن العديد من الخبراء والاستشرافيين يعتقدون أنه إذا استمر حال المدرسة الموريتانية على ما هو عليه اليوم من نقص التعدد والتنوع وتغول العرقية والشرائحية والطبقية فإن ذلك سيُسَرِعُ حدوث تصدعات خطيرة في الوحدة الوطنية التي هي وحدة الأعراق والجهات والشرائح على قاعدة وأساس الوطن المشترك.!!

هذه الأفكار كتبتها فى شكل مقال منذ ثلاث سنين خلت قرأتها ابتغاء تحيينها فما وجدت فيها قابلا للتحيين إلا الاقتراح الذى أحوره بمطالبة المترشحين للمقعد الرئاسي بتعهد كل منهم -حالَ انتخابه- بتشكيل لجنة وطنيةخلال الشهر الأول الذى يلى يوم التنصيب مكونة من سبعة أشخاص مشهود لهم بالكفاءة في مجال الإحاطة بمعضلة التعليم مجمعٍ على أمانتهم وقوتهم وفهمهم الثاقب للمخاطر الأمنية والاجتماعية التي تتخطف البلد (يكاد كل الموريتانيين يعرفونهم بأسمائهم ووُسُومِهِمْ) .

ويعهد لهذه اللجنةبإعداد "كتاب أبيض" "livre blanc/White paper" يشخص بعمق الاختلالات ويقترح بصدق التصحيحات بخصوص واقع ومستقبل المدرسة الجمهورية ببلادنا ؛ تلك التصحيحات التى يجب أن يلتزم الرئيس المنتخب -التزاما غليظا- بتنفيذها و متابعتها و الصبر على سلبياتها و آثارها الجانبية إذ ما من دواء أو علاج إلا له آثار سلبية جانبية.

إجراءات ضرورية لنجاح العملية التربوية / أد ولد محمد عبد الله
الأربعاء, 23 يناير 2019 11:39
alt

تقع المسؤولية الكبرى في التعليم على المدرس باعتباره ملازما له في أغلب الأوقات على مدار اليوم والسنة، لذلك عليه أن يبذل كافة الجهود ليغرس في نفس التلميذ حب التعلم حيث توصل خبراء التعليم على مستوى العالم بعد دراسة دامت سبع سنوات في ندوة بجامعة اكسفورد 2010 إلى أن التلاميذ يحتاجون أن يؤمنوا بضرورة التعلم. ولذلك ينبغي امتداح المادة المعينة بأن يقول مثلا هذه مادة جميلة سهلة، وامتداح التلاميذ بالقول: أنتم جميعا مهذبون ستنجحون بتفوق..

ورغم أن المدرس هو المسؤول الأول إلا أنه ليس وحده المعني بالعملية التربوية فهي عملية جماعية يشترك فيها معه المبرمجون الأربعة: الأسرة والمجتمع والأصدقاء والإعلام.

يقول الدكتور عثمان سالم رئيس وحدة التدريب والتطوير لمركز رعاية الموهوبين بمكة المكرمة عضو الاتحاد العالمي لمدربي إدارة العقل " أتمنى من الآباء والأمهات والمعلمين أن يغرسوا قيمة حب مدرسي المادة وحب المادة في نفوس الأطفال فإذا قمنا بذلك سهلنا العملية التعليمية"، وبما أن معظم الاتصال بين المربي والطفل يتم من خلال الكلام فإنني أشير إلى أن الرسالة التي يريد المربي أن يوصلها إلى الطفل تتشكل من محتوى ونبرة صوت وإيماءات ( لغة جسد) ولكل منها تأثيره وبنسب مختلفة.

الإيماءات 55%   ونبرة الصوت 38% في حين محتوى الرسالة 7%

ويجب أن تتفق كلها لبلوغ الهدف المقصود من المحتوى كما يقول علماء البرمجة اللغوية العصبية.

وعلى ذكر علماء البرمجة اللغوية العصبية فإني أدعو المدرسين إلى استخدام بعض التقنيات البسيطة للبرمجة التي قد تفيد في تربية الطفل والزيادة من فاعليه التعليم كاستخدام الرسائل الذاتية الإيجابية التي من خلال التكرار تنطبع في اللاوعي مما يزيد من الإيمان بفحوى الرسالة .

والرسائل الذاتية الإيجابية على سبيل المثال:

كأن يدرب المعلم تلاميذه عند كل صباح مع دخول الفصل على ذكر أسمائهم مع كلمة تحمل المعنى الذي يود برمجتهم عليه.

فيقول التلميذ عند دخوله من الباب وأمام المعلم:

"أنا التلميذ المجتهد فلان ابن فلان"

فبنطقه كلمة أنا التلميذ المجتهد يرسل رسالة إلى عقله الباطن حتى يعمل على تحقيق هذا المعنى وبنطقه باسمه كاملا يعزز من ثقته بنفسه وبذلك يربط بين ذاته ومحتوى الرسالة

فهذه التقنية مثالا على بساطتها بل على سذاجتها عند البعض لها الأثر البالغ في برمجة التلميذ على الاجتهاد مثل غيرها من التقنيات المبسطة السهلة.

وهنا أشير إلى ضرورة الملصقات في الفصل والساحة ولكن يجب أن تكون عبارات تساهم في برمجة الطفل برمجة إيجابية ويجب أن تكون بصيغة المتكلم وبخط واضح وجميل وباللغتين ( العربية والفرنسية). على سبيل المثال أنا أصلي في الوقت، أنا أراجع دروسي وأحفظها، أنا موريتاني....

بدل أن تكون رسوما أو صورا قد تستدعي من مخيلة الطفل ما يشوش عليه أو يسيطر على فكره طيلة وجوده في الفصل.

وبهذه المناسبة فأنا اقترح جملة من الأمور هي

التركيز على السنتين الأوليين حتى لا يتجاوز التلميذ من السنة الأولى إلا وهو قادر على قراءة وكتابة اللغة العربية ولا يتجاوز من السنة الثانية حتى يكون قادرا على قراءة وكتابة اللغة الفرنسية وذلك بزيادة حصتها الأسبوعية الحالية. رفع العلم وأداء النشيد الوطني كل صباح لإحياء روح المواطنة وترسيخ الانتماء لدى التلاميذ. ضرورة توحيد الزى المدرسي خاصة في النظام الأساسي وهو ما من شأنه إلغاء الفوارق بين التلاميذ. الرجوع إلى نظام الكفالات المدرسية أو التعويض عنها بمبالغ شهرية رمزية لأسر التلاميذ المستهدفين. التمرن على تحسين الخط وتنمية المهارات والأعمال اليدوية المشتركة بين التلاميذ داخل الفصل تحت إشراف المعلم فعلى الإدارة توفير الورق والمقوى والأقلام الملونة... إجراء مسابقات فصلية في جميع المواد بين جميع مدارس الوطن بهدف تشجيع التلاميذ على التحصيل واقترح أن تحصل المدرسة الفائزة على كأس يسمى " كأس المدارس". نشر الوعي الصحي كالنظافة وغسل الأيدي بالصابون والسواك.... نشر الوعي المدني مثل التعامل مع الطريق واحترام الشارع وتعليم إشارات المرور. الأعمال التطوعية وذلك بخروج جميع الأقسام مدة ساعة واحدة في الأسبوع لتنظيف الساحة ومحيط المدرسة وغرس وسقي الأشجار. تشجيع الرياضة البدنية الجري والقفز وكرة القدم للأولاد، خاصة بعد أن حققت بلادنا قفزة نوعية في كرة القدم العالمية بعد التأهل التاريخي للأمم الأفريقية 2019 والذي يرجع الفضل فيه إلى العناية المباشرة التي يوليها فخامة الرئيس السيد محمد ولد عبد العزيز لكرة القدم. اقتراح كذلك إقامة كأس لرياضة كرة القدم تتنافس فيها كافة المدارس على مستوى الوطن. الرياضة الذهنية للبنات من الألعاب الشعبية المعروفة.

وأشير إلى أن أحد الأهداف المنشودة من هذه الرياضة إضافة إلى الجانب الصحي والذهني تلبية حاجة اللعب لدى الأطفال وكسر الروتين الاعتيادي التقليدي داخل المؤسسات التعليمية.

الإخوان «مصيبة» المرحلة وسبب أزماتها المتعددة/كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق
الخميس, 17 يناير 2019 13:24

 

  صالح القلاب صالح القلاب كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق     A A بعد تجربة سنوات طويلة من المفترض أنه بات معروفاً ومؤكداً أن «الإخوان المسلمين» كانوا ضد إنشاء منظمة التحرير، التي أنشئت في مؤتمر القدس الشهير في عام 1964، وضد إنشاء حركة «فتح»، وضد الكفاح الفلسطيني المسلح كله؛ وهذا بهدف أن يقوموا بما يقومون به الآن، إن فلسطينيا وإن عربيّاً وإن إسلامياً أيضاً، وفي العالم بأسره. لقد حاول «إخوان» الأردن في فترة ما قبل سبعينات القرن الماضي عندما كانت المقاومة الفلسطينية في ذروة تألقها، إقحام بعض رموزهم على حركة «فتح» للظهور أمام منتسبيهم وبعض كوادرهم القيادية بأنهم يشاركون في الكفاح المسلح وقد أقيم لهؤلاء، الذين كان عددهم بالعشرات وليس بالمئات، معسكر في منطقة إربد، لم يخرجوا منه ليشاركوا بأي عملية فدائية وإلى أن عادوا كلهم بعد فترة قصيرة إلى ذويهم و«إخوانهم» سالمين مع زيادات ملحوظة في أوزانهم قياساً بما كانوا عليه قبل خطوتهم الاستعراضية هذه. والملاحظ أن «شيوعيي» الأردن، الذين كان لهم وجود فعلي في الساحة الأردنية، قد بادروا هم بدورهم، وفي الفترة ذاتها إلى «ركوب» موجة الكفاح المسلح وإنشاء تنظيم باسم «قوات الأنصار» اقتداء بالتنظيمات التي كانت قد حملت هذا الاسم في فترة سيطرة النازيين على بعض دول أوروبا الشرقية، لكن قوات الأنصار هذه لم تنصر أحداً ولم تطلق حتى رصاصة واحدة ضد المحتلين الإسرائيليين، وذلك مع أنه كان للشيوعيين في الضفة الغربية وجود تنظيمي فعلي يحظى ببعض التقدير والاحترام. ثم وإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هؤلاء «الإخوان المسلمين» وخلافاً لكل ما كانوا يتباهون به ويدعونه من «عقائدية» ملزمة، فإنهم قد بقوا يتخلون عن تحالفاتهم السابقة والتلاؤم مع ما بقيت تشهده هذه المنطقة ويشهده العالم كله من تقلبات سياسية متلاحقة على مدى سنوات القرن العشرين كلها وعلى مدى ما مضى من القرن الحادي والعشرين أيضاً، وإلى حدٍّ أنهم لم يترددوا في التخلي عن عقائديتهم هذه، وأن ينحازوا إلى هذا المحور الإيراني المستجد ويأخذوا رجب طيب إردوغان معهم ويصبحوا هُم وهو وأيضاً «الشقيقة» قطر، التي كانت «أفتت» قبل أيام قليلة بأن لإيران مصالح حيوية في سوريا وأن من حقها أن تدافع عن مصالحها هناك، من أتباع الولي الفقيه، ويدافعوا عن كل ما يفعله هذا النظام «البهلوي» في كثير من الدول العربية. ربما هناك من لا يعرف أنَّ «الإخوان» المصريين قد وصلت علاقاتهم التنظيمية مع الرئيس جمال عبد الناصر قبل «ثورة» الثالث والعشرين من يوليو (تموز) عام 1952 إلى حدٍّ أنهم فكروا جدياًّ في أن يختاروه «مرشداً» لهم وبديلا لـ«مرشدهم» المؤسس حسن البنا، الذي كان قد تم اغتياله رداًّ على ما كان اتهم به من اغتيالات كثيرة لكنهم، وقد فشلوا في هذا، وأصبح عبد الناصر زعيماً للضباط الأحرار ثم ثاني رئيس لأول جمهورية في مصر وبات يقاومهم ويعتقل كثيرين منهم، فقد انقلبوا عليه كليّاً وحاولوا اغتياله في تلك الحادثة الشهيرة في ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954. بعد رحيل عبد الناصر حاول هؤلاء التقرب من خَلَفِهِ الرئيس أنور السادات وحقيقة أنه هو قد حاول التقرب منهم لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه هو أيضاً وأنهم رتبوا عملية اغتياله في حادثة «المنصة» الشهيرة في عام 1981، وكل هذا... والمعروف أنهم قد حاولوا التقرب من الرئيس حسني مبارك، وأنهم ترددوا في البدايات في الانضمام إلى «ثورة» ميدان التحرير لكنهم عندما تأكدوا من نجاحها بادروا إلى تقديم الدكتور محمد مرسي مرشحا للرئاسة في مصر بعد شعورهم بتفضيل الأميركيين له على أساس قناعتهم بأن «الإخوان» يشكلون القوة المنظمة الرئيسية في هذا البلد العربي وفي دول عربية وإسلامية أخرى كثيرة!! ويقيناً، وهذا يجب أن يقال، إنه لو لم يتحرك الجيش المصري، المعروف بوطنيته ومكانته التي تحظى بالتقدير والاحترام من قبل المصريين كلهم، في اللحظة المناسبة واختيار هذا الرجل المؤهل لقيادة هذا البلد العظيم عبد الفتاح السيسي لكانت الأمور في مصر وفي دول عربية أخر غير ما هي عليه الآن، ولكان «الإخوان» يسرحون ويمرحون في هذه المنطقة كلها ويفعلون فيها ما فعلوه بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية و«فتح» بفصل غزة عن الضفة الغربية وتحويل «القطاع» إلى دويلة ملحقة بدورها بالولي الفقيه الذي لم يتردد قائد «حماس» بتقبيل يده، وباستمتاع طفوليٍّ، مثنى وثلاث ورباع!! ثم إن المعروف أيضاً أن المملكة العربية السعودية كانت قد احتضنت «إخوان» مصر و«إخوان» سوريا أيضاً، عندما ضاقت عليهم أرض وطنَيهم بما رحبت، لكنهم - وكالعادة - قد بادروا إلى عض اليد التي امتدت إليهم بالمساندة والإحسان بالسعي لإنشاء بؤر سرية من مواطنين سعوديين استطاعوا أن يغرروا بهم ويحرضوهم ضد مسيرة بلدهم، وضد نظام لم يبخل لا عليهم ولا على غيرهم، حيث - خلافاً لما فعلوه وكانوا يريدونه - قد ازداد هذا البلد تماسكاً، وأصبح في طليعة البلدان المتقدمة في جميع المجالات، وهذا بات معروفاً ومؤكداً ولا نقاش فيه. وما حصل مع المملكة العربية السعودية قد حصل أيضاً مع الأردن، ولكن بأسلوب مختلف إذ إن هؤلاء، أي «الإخوان»، قد تنكروا لوضعهم في المواقع الرئيسية في هذا البلد، إن بعد عام 1956 وإن بعد ما جرى من أحداث في عام 1970، لكنهم وبمجرد شعورهم، في ذروة ما سمي «الربيع العربي»، بأن «إخوانهم» في مصر قد أصبح الحكم بأيديهم وأن الدولة المصرية كلها قد أصبحت لهم، فإنهم قد بادروا إلى النزول إلى ساحة المسجد الحسيني في عمان كما كان نزل إخوانهم المصريون إلى ميدان التحرير؛ ولذلك فقد كان لا بد من «تحجيمهم» ولا بد من اعتبارهم تنظيماً إرهابيا وإيجاد بديل لهم من بينهم ومن بعض قادتهم وأعضائهم الذين ما عادوا قادرين على البقاء لا في صفوفهم ولا في مواقعهم القيادية. لكن ورغم هذا كله فقد أصبح «التنظيم العالمي» الإخواني يشعر بالاقتراب من تحقيق أهدافه التاريخية كلها، بعد أن أصبحت تركيا وعلى رأسها رجب طيب إردوغان معه، وأصبح، أي هذا التنظيم، يمتلك «قطر» بثرواتها وبشيخها المُستعار يوسف القرضاوي وبات يتحالف مع إيران الخامنئية، ويقترب من السيطرة على ليبيا وعلى الوضع الفلسطيني كله... ولكن ومع ذلك فإنَّ «الإخوان» بتاريخهم المعروف حيث بقوا ودائماً وأبداً يغدرون بحلفائهم، سيكررون هذا بالتأكيد مرة أخرى، وإن الرئيس التركي سيجد نفسه في مواجهة معهم وهذا سيحصل مع المسؤولين القطريين ومع الإيرانيين الذين هم «أهل تقية» بالأساس والذين لديهم ما يسمى العلاقات المبدئية الدائمة، وما يسمى العلاقات النفعية الطارئة التي هي كهذه التي أقاموها مؤخراً مع من يختلفون معهم عقائديّاً ويعتبرونهم أتباعاً لـ«الشيطان الأكبر» الذي هو الولايات المتحدة كما يشيرون.     صالح القلاب صالح القلاب كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق     A A بعد تجربة سنوات طويلة من المفترض أنه بات معروفاً ومؤكداً أن «الإخوان المسلمين» كانوا ضد إنشاء منظمة التحرير، التي أنشئت في مؤتمر القدس الشهير في عام 1964، وضد إنشاء حركة «فتح»، وضد الكفاح الفلسطيني المسلح كله؛ وهذا بهدف أن يقوموا بما يقومون به الآن، إن فلسطينيا وإن عربيّاً وإن إسلامياً أيضاً، وفي العالم بأسره. لقد حاول «إخوان» الأردن في فترة ما قبل سبعينات القرن الماضي عندما كانت المقاومة الفلسطينية في ذروة تألقها، إقحام بعض رموزهم على حركة «فتح» للظهور أمام منتسبيهم وبعض كوادرهم القيادية بأنهم يشاركون في الكفاح المسلح وقد أقيم لهؤلاء، الذين كان عددهم بالعشرات وليس بالمئات، معسكر في منطقة إربد، لم يخرجوا منه ليشاركوا بأي عملية فدائية وإلى أن عادوا كلهم بعد فترة قصيرة إلى ذويهم و«إخوانهم» سالمين مع زيادات ملحوظة في أوزانهم قياساً بما كانوا عليه قبل خطوتهم الاستعراضية هذه. والملاحظ أن «شيوعيي» الأردن، الذين كان لهم وجود فعلي في الساحة الأردنية، قد بادروا هم بدورهم، وفي الفترة ذاتها إلى «ركوب» موجة الكفاح المسلح وإنشاء تنظيم باسم «قوات الأنصار» اقتداء بالتنظيمات التي كانت قد حملت هذا الاسم في فترة سيطرة النازيين على بعض دول أوروبا الشرقية، لكن قوات الأنصار هذه لم تنصر أحداً ولم تطلق حتى رصاصة واحدة ضد المحتلين الإسرائيليين، وذلك مع أنه كان للشيوعيين في الضفة الغربية وجود تنظيمي فعلي يحظى ببعض التقدير والاحترام. ثم وإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هؤلاء «الإخوان المسلمين» وخلافاً لكل ما كانوا يتباهون به ويدعونه من «عقائدية» ملزمة، فإنهم قد بقوا يتخلون عن تحالفاتهم السابقة والتلاؤم مع ما بقيت تشهده هذه المنطقة ويشهده العالم كله من تقلبات سياسية متلاحقة على مدى سنوات القرن العشرين كلها وعلى مدى ما مضى من القرن الحادي والعشرين أيضاً، وإلى حدٍّ أنهم لم يترددوا في التخلي عن عقائديتهم هذه، وأن ينحازوا إلى هذا المحور الإيراني المستجد ويأخذوا رجب طيب إردوغان معهم ويصبحوا هُم وهو وأيضاً «الشقيقة» قطر، التي كانت «أفتت» قبل أيام قليلة بأن لإيران مصالح حيوية في سوريا وأن من حقها أن تدافع عن مصالحها هناك، من أتباع الولي الفقيه، ويدافعوا عن كل ما يفعله هذا النظام «البهلوي» في كثير من الدول العربية. ربما هناك من لا يعرف أنَّ «الإخوان» المصريين قد وصلت علاقاتهم التنظيمية مع الرئيس جمال عبد الناصر قبل «ثورة» الثالث والعشرين من يوليو (تموز) عام 1952 إلى حدٍّ أنهم فكروا جدياًّ في أن يختاروه «مرشداً» لهم وبديلا لـ«مرشدهم» المؤسس حسن البنا، الذي كان قد تم اغتياله رداًّ على ما كان اتهم به من اغتيالات كثيرة لكنهم، وقد فشلوا في هذا، وأصبح عبد الناصر زعيماً للضباط الأحرار ثم ثاني رئيس لأول جمهورية في مصر وبات يقاومهم ويعتقل كثيرين منهم، فقد انقلبوا عليه كليّاً وحاولوا اغتياله في تلك الحادثة الشهيرة في ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954. بعد رحيل عبد الناصر حاول هؤلاء التقرب من خَلَفِهِ الرئيس أنور السادات وحقيقة أنه هو قد حاول التقرب منهم لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه هو أيضاً وأنهم رتبوا عملية اغتياله في حادثة «المنصة» الشهيرة في عام 1981، وكل هذا... والمعروف أنهم قد حاولوا التقرب من الرئيس حسني مبارك، وأنهم ترددوا في البدايات في الانضمام إلى «ثورة» ميدان التحرير لكنهم عندما تأكدوا من نجاحها بادروا إلى تقديم الدكتور محمد مرسي مرشحا للرئاسة في مصر بعد شعورهم بتفضيل الأميركيين له على أساس قناعتهم بأن «الإخوان» يشكلون القوة المنظمة الرئيسية في هذا البلد العربي وفي دول عربية وإسلامية أخرى كثيرة!! ويقيناً، وهذا يجب أن يقال، إنه لو لم يتحرك الجيش المصري، المعروف بوطنيته ومكانته التي تحظى بالتقدير والاحترام من قبل المصريين كلهم، في اللحظة المناسبة واختيار هذا الرجل المؤهل لقيادة هذا البلد العظيم عبد الفتاح السيسي لكانت الأمور في مصر وفي دول عربية أخر غير ما هي عليه الآن، ولكان «الإخوان» يسرحون ويمرحون في هذه المنطقة كلها ويفعلون فيها ما فعلوه بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية و«فتح» بفصل غزة عن الضفة الغربية وتحويل «القطاع» إلى دويلة ملحقة بدورها بالولي الفقيه الذي لم يتردد قائد «حماس» بتقبيل يده، وباستمتاع طفوليٍّ، مثنى وثلاث ورباع!! ثم إن المعروف أيضاً أن المملكة العربية السعودية كانت قد احتضنت «إخوان» مصر و«إخوان» سوريا أيضاً، عندما ضاقت عليهم أرض وطنَيهم بما رحبت، لكنهم - وكالعادة - قد بادروا إلى عض اليد التي امتدت إليهم بالمساندة والإحسان بالسعي لإنشاء بؤر سرية من مواطنين سعوديين استطاعوا أن يغرروا بهم ويحرضوهم ضد مسيرة بلدهم، وضد نظام لم يبخل لا عليهم ولا على غيرهم، حيث - خلافاً لما فعلوه وكانوا يريدونه - قد ازداد هذا البلد تماسكاً، وأصبح في طليعة البلدان المتقدمة في جميع المجالات، وهذا بات معروفاً ومؤكداً ولا نقاش فيه. وما حصل مع المملكة العربية السعودية قد حصل أيضاً مع الأردن، ولكن بأسلوب مختلف إذ إن هؤلاء، أي «الإخوان»، قد تنكروا لوضعهم في المواقع الرئيسية في هذا البلد، إن بعد عام 1956 وإن بعد ما جرى من أحداث في عام 1970، لكنهم وبمجرد شعورهم، في ذروة ما سمي «الربيع العربي»، بأن «إخوانهم» في مصر قد أصبح الحكم بأيديهم وأن الدولة المصرية كلها قد أصبحت لهم، فإنهم قد بادروا إلى النزول إلى ساحة المسجد الحسيني في عمان كما كان نزل إخوانهم المصريون إلى ميدان التحرير؛ ولذلك فقد كان لا بد من «تحجيمهم» ولا بد من اعتبارهم تنظيماً إرهابيا وإيجاد بديل لهم من بينهم ومن بعض قادتهم وأعضائهم الذين ما عادوا قادرين على البقاء لا في صفوفهم ولا في مواقعهم القيادية. لكن ورغم هذا كله فقد أصبح «التنظيم العالمي» الإخواني يشعر بالاقتراب من تحقيق أهدافه التاريخية كلها، بعد أن أصبحت تركيا وعلى رأسها رجب طيب إردوغان معه، وأصبح، أي هذا التنظيم، يمتلك «قطر» بثرواتها وبشيخها المُستعار يوسف القرضاوي وبات يتحالف مع إيران الخامنئية، ويقترب من السيطرة على ليبيا وعلى الوضع الفلسطيني كله... ولكن ومع ذلك فإنَّ «الإخوان» بتاريخهم المعروف حيث بقوا ودائماً وأبداً يغدرون بحلفائهم، سيكررون هذا بالتأكيد مرة أخرى، وإن الرئيس التركي سيجد نفسه في مواجهة معهم وهذا سيحصل مع المسؤولين القطريين ومع الإيرانيين الذين هم «أهل تقية» بالأساس والذين لديهم ما يسمى العلاقات المبدئية الدائمة، وما يسمى العلاقات النفعية الطارئة التي هي كهذه التي أقاموها مؤخراً مع من يختلفون معهم عقائديّاً ويعتبرونهم أتباعاً لـ«الشيطان الأكبر» الذي هو الولايات المتحدة كما يشيرون.   صالح القلاب صالح القلاب كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق     A A بعد تجربة سنوات طويلة من المفترض أنه بات معروفاً ومؤكداً أن «الإخوان المسلمين» كانوا ضد إنشاء منظمة التحرير، التي أنشئت في مؤتمر القدس الشهير في عام 1964، وضد إنشاء حركة «فتح»، وضد الكفاح الفلسطيني المسلح كله؛ وهذا بهدف أن يقوموا بما يقومون به الآن، إن فلسطينيا وإن عربيّاً وإن إسلامياً أيضاً، وفي العالم بأسره. لقد حاول «إخوان» الأردن في فترة ما قبل سبعينات القرن الماضي عندما كانت المقاومة الفلسطينية في ذروة تألقها، إقحام بعض رموزهم على حركة «فتح» للظهور أمام منتسبيهم وبعض كوادرهم القيادية بأنهم يشاركون في الكفاح المسلح وقد أقيم لهؤلاء، الذين كان عددهم بالعشرات وليس بالمئات، معسكر في منطقة إربد، لم يخرجوا منه ليشاركوا بأي عملية فدائية وإلى أن عادوا كلهم بعد فترة قصيرة إلى ذويهم و«إخوانهم» سالمين مع زيادات ملحوظة في أوزانهم قياساً بما كانوا عليه قبل خطوتهم الاستعراضية هذه. والملاحظ أن «شيوعيي» الأردن، الذين كان لهم وجود فعلي في الساحة الأردنية، قد بادروا هم بدورهم، وفي الفترة ذاتها إلى «ركوب» موجة الكفاح المسلح وإنشاء تنظيم باسم «قوات الأنصار» اقتداء بالتنظيمات التي كانت قد حملت هذا الاسم في فترة سيطرة النازيين على بعض دول أوروبا الشرقية، لكن قوات الأنصار هذه لم تنصر أحداً ولم تطلق حتى رصاصة واحدة ضد المحتلين الإسرائيليين، وذلك مع أنه كان للشيوعيين في الضفة الغربية وجود تنظيمي فعلي يحظى ببعض التقدير والاحترام. ثم وإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هؤلاء «الإخوان المسلمين» وخلافاً لكل ما كانوا يتباهون به ويدعونه من «عقائدية» ملزمة، فإنهم قد بقوا يتخلون عن تحالفاتهم السابقة والتلاؤم مع ما بقيت تشهده هذه المنطقة ويشهده العالم كله من تقلبات سياسية متلاحقة على مدى سنوات القرن العشرين كلها وعلى مدى ما مضى من القرن الحادي والعشرين أيضاً، وإلى حدٍّ أنهم لم يترددوا في التخلي عن عقائديتهم هذه، وأن ينحازوا إلى هذا المحور الإيراني المستجد ويأخذوا رجب طيب إردوغان معهم ويصبحوا هُم وهو وأيضاً «الشقيقة» قطر، التي كانت «أفتت» قبل أيام قليلة بأن لإيران مصالح حيوية في سوريا وأن من حقها أن تدافع عن مصالحها هناك، من أتباع الولي الفقيه، ويدافعوا عن كل ما يفعله هذا النظام «البهلوي» في كثير من الدول العربية. ربما هناك من لا يعرف أنَّ «الإخوان» المصريين قد وصلت علاقاتهم التنظيمية مع الرئيس جمال عبد الناصر قبل «ثورة» الثالث والعشرين من يوليو (تموز) عام 1952 إلى حدٍّ أنهم فكروا جدياًّ في أن يختاروه «مرشداً» لهم وبديلا لـ«مرشدهم» المؤسس حسن البنا، الذي كان قد تم اغتياله رداًّ على ما كان اتهم به من اغتيالات كثيرة لكنهم، وقد فشلوا في هذا، وأصبح عبد الناصر زعيماً للضباط الأحرار ثم ثاني رئيس لأول جمهورية في مصر وبات يقاومهم ويعتقل كثيرين منهم، فقد انقلبوا عليه كليّاً وحاولوا اغتياله في تلك الحادثة الشهيرة في ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954. بعد رحيل عبد الناصر حاول هؤلاء التقرب من خَلَفِهِ الرئيس أنور السادات وحقيقة أنه هو قد حاول التقرب منهم لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه هو أيضاً وأنهم رتبوا عملية اغتياله في حادثة «المنصة» الشهيرة في عام 1981، وكل هذا... والمعروف أنهم قد حاولوا التقرب من الرئيس حسني مبارك، وأنهم ترددوا في البدايات في الانضمام إلى «ثورة» ميدان التحرير لكنهم عندما تأكدوا من نجاحها بادروا إلى تقديم الدكتور محمد مرسي مرشحا للرئاسة في مصر بعد شعورهم بتفضيل الأميركيين له على أساس قناعتهم بأن «الإخوان» يشكلون القوة المنظمة الرئيسية في هذا البلد العربي وفي دول عربية وإسلامية أخرى كثيرة!! ويقيناً، وهذا يجب أن يقال، إنه لو لم يتحرك الجيش المصري، المعروف بوطنيته ومكانته التي تحظى بالتقدير والاحترام من قبل المصريين كلهم، في اللحظة المناسبة واختيار هذا الرجل المؤهل لقيادة هذا البلد العظيم عبد الفتاح السيسي لكانت الأمور في مصر وفي دول عربية أخر غير ما هي عليه الآن، ولكان «الإخوان» يسرحون ويمرحون في هذه المنطقة كلها ويفعلون فيها ما فعلوه بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية و«فتح» بفصل غزة عن الضفة الغربية وتحويل «القطاع» إلى دويلة ملحقة بدورها بالولي الفقيه الذي لم يتردد قائد «حماس» بتقبيل يده، وباستمتاع طفوليٍّ، مثنى وثلاث ورباع!! ثم إن المعروف أيضاً أن المملكة العربية السعودية كانت قد احتضنت «إخوان» مصر و«إخوان» سوريا أيضاً، عندما ضاقت عليهم أرض وطنَيهم بما رحبت، لكنهم - وكالعادة - قد بادروا إلى عض اليد التي امتدت إليهم بالمساندة والإحسان بالسعي لإنشاء بؤر سرية من مواطنين سعوديين استطاعوا أن يغرروا بهم ويحرضوهم ضد مسيرة بلدهم، وضد نظام لم يبخل لا عليهم ولا على غيرهم، حيث - خلافاً لما فعلوه وكانوا يريدونه - قد ازداد هذا البلد تماسكاً، وأصبح في طليعة البلدان المتقدمة في جميع المجالات، وهذا بات معروفاً ومؤكداً ولا نقاش فيه. وما حصل مع المملكة العربية السعودية قد حصل أيضاً مع الأردن، ولكن بأسلوب مختلف إذ إن هؤلاء، أي «الإخوان»، قد تنكروا لوضعهم في المواقع الرئيسية في هذا البلد، إن بعد عام 1956 وإن بعد ما جرى من أحداث في عام 1970، لكنهم وبمجرد شعورهم، في ذروة ما سمي «الربيع العربي»، بأن «إخوانهم» في مصر قد أصبح الحكم بأيديهم وأن الدولة المصرية كلها قد أصبحت لهم، فإنهم قد بادروا إلى النزول إلى ساحة المسجد الحسيني في عمان كما كان نزل إخوانهم المصريون إلى ميدان التحرير؛ ولذلك فقد كان لا بد من «تحجيمهم» ولا بد من اعتبارهم تنظيماً إرهابيا وإيجاد بديل لهم من بينهم ومن بعض قادتهم وأعضائهم الذين ما عادوا قادرين على البقاء لا في صفوفهم ولا في مواقعهم القيادية. لكن ورغم هذا كله فقد أصبح «التنظيم العالمي» الإخواني يشعر بالاقتراب من تحقيق أهدافه التاريخية كلها، بعد أن أصبحت تركيا وعلى رأسها رجب طيب إردوغان معه، وأصبح، أي هذا التنظيم، يمتلك «قطر» بثرواتها وبشيخها المُستعار يوسف القرضاوي وبات يتحالف مع إيران الخامنئية، ويقترب من السيطرة على ليبيا وعلى الوضع الفلسطيني كله... ولكن ومع ذلك فإنَّ «الإخوان» بتاريخهم المعروف حيث بقوا ودائماً وأبداً يغدرون بحلفائهم، سيكررون هذا بالتأكيد مرة أخرى، وإن الرئيس التركي سيجد نفسه في مواجهة معهم وهذا سيحصل مع المسؤولين القطريين ومع الإيرانيين الذين هم «أهل تقية» بالأساس والذين لديهم ما يسمى العلاقات المبدئية الدائمة، وما يسمى العلاقات النفعية الطارئة التي هي كهذه التي أقاموها مؤخراً مع من يختلفون معهم عقائديّاً ويعتبرونهم أتباعاً لـ«الشيطان الأكبر» الذي هو الولايات المتحدة كما يشيرون.   صالح القلاب صالح القلاب كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق     A A بعد تجربة سنوات طويلة من المفترض أنه بات معروفاً ومؤكداً أن «الإخوان المسلمين» كانوا ضد إنشاء منظمة التحرير، التي أنشئت في مؤتمر القدس الشهير في عام 1964، وضد إنشاء حركة «فتح»، وضد الكفاح الفلسطيني المسلح كله؛ وهذا بهدف أن يقوموا بما يقومون به الآن، إن فلسطينيا وإن عربيّاً وإن إسلامياً أيضاً، وفي العالم بأسره. لقد حاول «إخوان» الأردن في فترة ما قبل سبعينات القرن الماضي عندما كانت المقاومة الفلسطينية في ذروة تألقها، إقحام بعض رموزهم على حركة «فتح» للظهور أمام منتسبيهم وبعض كوادرهم القيادية بأنهم يشاركون في الكفاح المسلح وقد أقيم لهؤلاء، الذين كان عددهم بالعشرات وليس بالمئات، معسكر في منطقة إربد، لم يخرجوا منه ليشاركوا بأي عملية فدائية وإلى أن عادوا كلهم بعد فترة قصيرة إلى ذويهم و«إخوانهم» سالمين مع زيادات ملحوظة في أوزانهم قياساً بما كانوا عليه قبل خطوتهم الاستعراضية هذه. والملاحظ أن «شيوعيي» الأردن، الذين كان لهم وجود فعلي في الساحة الأردنية، قد بادروا هم بدورهم، وفي الفترة ذاتها إلى «ركوب» موجة الكفاح المسلح وإنشاء تنظيم باسم «قوات الأنصار» اقتداء بالتنظيمات التي كانت قد حملت هذا الاسم في فترة سيطرة النازيين على بعض دول أوروبا الشرقية، لكن قوات الأنصار هذه لم تنصر أحداً ولم تطلق حتى رصاصة واحدة ضد المحتلين الإسرائيليين، وذلك مع أنه كان للشيوعيين في الضفة الغربية وجود تنظيمي فعلي يحظى ببعض التقدير والاحترام. ثم وإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هؤلاء «الإخوان المسلمين» وخلافاً لكل ما كانوا يتباهون به ويدعونه من «عقائدية» ملزمة، فإنهم قد بقوا يتخلون عن تحالفاتهم السابقة والتلاؤم مع ما بقيت تشهده هذه المنطقة ويشهده العالم كله من تقلبات سياسية متلاحقة على مدى سنوات القرن العشرين كلها وعلى مدى ما مضى من القرن الحادي والعشرين أيضاً، وإلى حدٍّ أنهم لم يترددوا في التخلي عن عقائديتهم هذه، وأن ينحازوا إلى هذا المحور الإيراني المستجد ويأخذوا رجب طيب إردوغان معهم ويصبحوا هُم وهو وأيضاً «الشقيقة» قطر، التي كانت «أفتت» قبل أيام قليلة بأن لإيران مصالح حيوية في سوريا وأن من حقها أن تدافع عن مصالحها هناك، من أتباع الولي الفقيه، ويدافعوا عن كل ما يفعله هذا النظام «البهلوي» في كثير من الدول العربية. ربما هناك من لا يعرف أنَّ «الإخوان» المصريين قد وصلت علاقاتهم التنظيمية مع الرئيس جمال عبد الناصر قبل «ثورة» الثالث والعشرين من يوليو (تموز) عام 1952 إلى حدٍّ أنهم فكروا جدياًّ في أن يختاروه «مرشداً» لهم وبديلا لـ«مرشدهم» المؤسس حسن البنا، الذي كان قد تم اغتياله رداًّ على ما كان اتهم به من اغتيالات كثيرة لكنهم، وقد فشلوا في هذا، وأصبح عبد الناصر زعيماً للضباط الأحرار ثم ثاني رئيس لأول جمهورية في مصر وبات يقاومهم ويعتقل كثيرين منهم، فقد انقلبوا عليه كليّاً وحاولوا اغتياله في تلك الحادثة الشهيرة في ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954. بعد رحيل عبد الناصر حاول هؤلاء التقرب من خَلَفِهِ الرئيس أنور السادات وحقيقة أنه هو قد حاول التقرب منهم لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه هو أيضاً وأنهم رتبوا عملية اغتياله في حادثة «المنصة» الشهيرة في عام 1981، وكل هذا... والمعروف أنهم قد حاولوا التقرب من الرئيس حسني مبارك، وأنهم ترددوا في البدايات في الانضمام إلى «ثورة» ميدان التحرير لكنهم عندما تأكدوا من نجاحها بادروا إلى تقديم الدكتور محمد مرسي مرشحا للرئاسة في مصر بعد شعورهم بتفضيل الأميركيين له على أساس قناعتهم بأن «الإخوان» يشكلون القوة المنظمة الرئيسية في هذا البلد العربي وفي دول عربية وإسلامية أخرى كثيرة!! ويقيناً، وهذا يجب أن يقال، إنه لو لم يتحرك الجيش المصري، المعروف بوطنيته ومكانته التي تحظى بالتقدير والاحترام من قبل المصريين كلهم، في اللحظة المناسبة واختيار هذا الرجل المؤهل لقيادة هذا البلد العظيم عبد الفتاح السيسي لكانت الأمور في مصر وفي دول عربية أخر غير ما هي عليه الآن، ولكان «الإخوان» يسرحون ويمرحون في هذه المنطقة كلها ويفعلون فيها ما فعلوه بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية و«فتح» بفصل غزة عن الضفة الغربية وتحويل «القطاع» إلى دويلة ملحقة بدورها بالولي الفقيه الذي لم يتردد قائد «حماس» بتقبيل يده، وباستمتاع طفوليٍّ، مثنى وثلاث ورباع!! ثم إن المعروف أيضاً أن المملكة العربية السعودية كانت قد احتضنت «إخوان» مصر و«إخوان» سوريا أيضاً، عندما ضاقت عليهم أرض وطنَيهم بما رحبت، لكنهم - وكالعادة - قد بادروا إلى عض اليد التي امتدت إليهم بالمساندة والإحسان بالسعي لإنشاء بؤر سرية من مواطنين سعوديين استطاعوا أن يغرروا بهم ويحرضوهم ضد مسيرة بلدهم، وضد نظام لم يبخل لا عليهم ولا على غيرهم، حيث - خلافاً لما فعلوه وكانوا يريدونه - قد ازداد هذا البلد تماسكاً، وأصبح في طليعة البلدان المتقدمة في جميع المجالات، وهذا بات معروفاً ومؤكداً ولا نقاش فيه. وما حصل مع المملكة العربية السعودية قد حصل أيضاً مع الأردن، ولكن بأسلوب مختلف إذ إن هؤلاء، أي «الإخوان»، قد تنكروا لوضعهم في المواقع الرئيسية في هذا البلد، إن بعد عام 1956 وإن بعد ما جرى من أحداث في عام 1970، لكنهم وبمجرد شعورهم، في ذروة ما سمي «الربيع العربي»، بأن «إخوانهم» في مصر قد أصبح الحكم بأيديهم وأن الدولة المصرية كلها قد أصبحت لهم، فإنهم قد بادروا إلى النزول إلى ساحة المسجد الحسيني في عمان كما كان نزل إخوانهم المصريون إلى ميدان التحرير؛ ولذلك فقد كان لا بد من «تحجيمهم» ولا بد من اعتبارهم تنظيماً إرهابيا وإيجاد بديل لهم من بينهم ومن بعض قادتهم وأعضائهم الذين ما عادوا قادرين على البقاء لا في صفوفهم ولا في مواقعهم القيادية. لكن ورغم هذا كله فقد أصبح «التنظيم العالمي» الإخواني يشعر بالاقتراب من تحقيق أهدافه التاريخية كلها، بعد أن أصبحت تركيا وعلى رأسها رجب طيب إردوغان معه، وأصبح، أي هذا التنظيم، يمتلك «قطر» بثرواتها وبشيخها المُستعار يوسف القرضاوي وبات يتحالف مع إيران الخامنئية، ويقترب من السيطرة على ليبيا وعلى الوضع الفلسطيني كله... ولكن ومع ذلك فإنَّ «الإخوان» بتاريخهم المعروف حيث بقوا ودائماً وأبداً يغدرون بحلفائهم، سيكررون هذا بالتأكيد مرة أخرى، وإن الرئيس التركي سيجد نفسه في مواجهة معهم وهذا سيحصل مع المسؤولين القطريين ومع الإيرانيين الذين هم «أهل تقية» بالأساس والذين لديهم ما يسمى العلاقات المبدئية الدائمة، وما يسمى العلاقات النفعية الطارئة التي هي كهذه التي أقاموها مؤخراً مع من يختلفون معهم عقائديّاً ويعتبرونهم أتباعاً لـ«الشيطان الأكبر» الذي هو الولايات المتحدة كما يشيرون. صالح القلاب صالح القلاب كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق     A A بعد تجربة سنوات طويلة من المفترض أنه بات معروفاً ومؤكداً أن «الإخوان المسلمين» كانوا ضد إنشاء منظمة التحرير، التي أنشئت في مؤتمر القدس الشهير في عام 1964، وضد إنشاء حركة «فتح»، وضد الكفاح الفلسطيني المسلح كله؛ وهذا بهدف أن يقوموا بما يقومون به الآن، إن فلسطينيا وإن عربيّاً وإن إسلامياً أيضاً، وفي العالم بأسره. لقد حاول «إخوان» الأردن في فترة ما قبل سبعينات القرن الماضي عندما كانت المقاومة الفلسطينية في ذروة تألقها، إقحام بعض رموزهم على حركة «فتح» للظهور أمام منتسبيهم وبعض كوادرهم القيادية بأنهم يشاركون في الكفاح المسلح وقد أقيم لهؤلاء، الذين كان عددهم بالعشرات وليس بالمئات، معسكر في منطقة إربد، لم يخرجوا منه ليشاركوا بأي عملية فدائية وإلى أن عادوا كلهم بعد فترة قصيرة إلى ذويهم و«إخوانهم» سالمين مع زيادات ملحوظة في أوزانهم قياساً بما كانوا عليه قبل خطوتهم الاستعراضية هذه. والملاحظ أن «شيوعيي» الأردن، الذين كان لهم وجود فعلي في الساحة الأردنية، قد بادروا هم بدورهم، وفي الفترة ذاتها إلى «ركوب» موجة الكفاح المسلح وإنشاء تنظيم باسم «قوات الأنصار» اقتداء بالتنظيمات التي كانت قد حملت هذا الاسم في فترة سيطرة النازيين على بعض دول أوروبا الشرقية، لكن قوات الأنصار هذه لم تنصر أحداً ولم تطلق حتى رصاصة واحدة ضد المحتلين الإسرائيليين، وذلك مع أنه كان للشيوعيين في الضفة الغربية وجود تنظيمي فعلي يحظى ببعض التقدير والاحترام. ثم وإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هؤلاء «الإخوان المسلمين» وخلافاً لكل ما كانوا يتباهون به ويدعونه من «عقائدية» ملزمة، فإنهم قد بقوا يتخلون عن تحالفاتهم السابقة والتلاؤم مع ما بقيت تشهده هذه المنطقة ويشهده العالم كله من تقلبات سياسية متلاحقة على مدى سنوات القرن العشرين كلها وعلى مدى ما مضى من القرن الحادي والعشرين أيضاً، وإلى حدٍّ أنهم لم يترددوا في التخلي عن عقائديتهم هذه، وأن ينحازوا إلى هذا المحور الإيراني المستجد ويأخذوا رجب طيب إردوغان معهم ويصبحوا هُم وهو وأيضاً «الشقيقة» قطر، التي كانت «أفتت» قبل أيام قليلة بأن لإيران مصالح حيوية في سوريا وأن من حقها أن تدافع عن مصالحها هناك، من أتباع الولي الفقيه، ويدافعوا عن كل ما يفعله هذا النظام «البهلوي» في كثير من الدول العربية. ربما هناك من لا يعرف أنَّ «الإخوان» المصريين قد وصلت علاقاتهم التنظيمية مع الرئيس جمال عبد الناصر قبل «ثورة» الثالث والعشرين من يوليو (تموز) عام 1952 إلى حدٍّ أنهم فكروا جدياًّ في أن يختاروه «مرشداً» لهم وبديلا لـ«مرشدهم» المؤسس حسن البنا، الذي كان قد تم اغتياله رداًّ على ما كان اتهم به من اغتيالات كثيرة لكنهم، وقد فشلوا في هذا، وأصبح عبد الناصر زعيماً للضباط الأحرار ثم ثاني رئيس لأول جمهورية في مصر وبات يقاومهم ويعتقل كثيرين منهم، فقد انقلبوا عليه كليّاً وحاولوا اغتياله في تلك الحادثة الشهيرة في ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954. بعد رحيل عبد الناصر حاول هؤلاء التقرب من خَلَفِهِ الرئيس أنور السادات وحقيقة أنه هو قد حاول التقرب منهم لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه هو أيضاً وأنهم رتبوا عملية اغتياله في حادثة «المنصة» الشهيرة في عام 1981، وكل هذا... والمعروف أنهم قد حاولوا التقرب من الرئيس حسني مبارك، وأنهم ترددوا في البدايات في الانضمام إلى «ثورة» ميدان التحرير لكنهم عندما تأكدوا من نجاحها بادروا إلى تقديم الدكتور محمد مرسي مرشحا للرئاسة في مصر بعد شعورهم بتفضيل الأميركيين له على أساس قناعتهم بأن «الإخوان» يشكلون القوة المنظمة الرئيسية في هذا البلد العربي وفي دول عربية وإسلامية أخرى كثيرة!! ويقيناً، وهذا يجب أن يقال، إنه لو لم يتحرك الجيش المصري، المعروف بوطنيته ومكانته التي تحظى بالتقدير والاحترام من قبل المصريين كلهم، في اللحظة المناسبة واختيار هذا الرجل المؤهل لقيادة هذا البلد العظيم عبد الفتاح السيسي لكانت الأمور في مصر وفي دول عربية أخر غير ما هي عليه الآن، ولكان «الإخوان» يسرحون ويمرحون في هذه المنطقة كلها ويفعلون فيها ما فعلوه بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية و«فتح» بفصل غزة عن الضفة الغربية وتحويل «القطاع» إلى دويلة ملحقة بدورها بالولي الفقيه الذي لم يتردد قائد «حماس» بتقبيل يده، وباستمتاع طفوليٍّ، مثنى وثلاث ورباع!! ثم إن المعروف أيضاً أن المملكة العربية السعودية كانت قد احتضنت «إخوان» مصر و«إخوان» سوريا أيضاً، عندما ضاقت عليهم أرض وطنَيهم بما رحبت، لكنهم - وكالعادة - قد بادروا إلى عض اليد التي امتدت إليهم بالمساندة والإحسان بالسعي لإنشاء بؤر سرية من مواطنين سعوديين استطاعوا أن يغرروا بهم ويحرضوهم ضد مسيرة بلدهم، وضد نظام لم يبخل لا عليهم ولا على غيرهم، حيث - خلافاً لما فعلوه وكانوا يريدونه - قد ازداد هذا البلد تماسكاً، وأصبح في طليعة البلدان المتقدمة في جميع المجالات، وهذا بات معروفاً ومؤكداً ولا نقاش فيه. وما حصل مع المملكة العربية السعودية قد حصل أيضاً مع الأردن، ولكن بأسلوب مختلف إذ إن هؤلاء، أي «الإخوان»، قد تنكروا لوضعهم في المواقع الرئيسية في هذا البلد، إن بعد عام 1956 وإن بعد ما جرى من أحداث في عام 1970، لكنهم وبمجرد شعورهم، في ذروة ما سمي «الربيع العربي»، بأن «إخوانهم» في مصر قد أصبح الحكم بأيديهم وأن الدولة المصرية كلها قد أصبحت لهم، فإنهم قد بادروا إلى النزول إلى ساحة المسجد الحسيني في عمان كما كان نزل إخوانهم المصريون إلى ميدان التحرير؛ ولذلك فقد كان لا بد من «تحجيمهم» ولا بد من اعتبارهم تنظيماً إرهابيا وإيجاد بديل لهم من بينهم ومن بعض قادتهم وأعضائهم الذين ما عادوا قادرين على البقاء لا في صفوفهم ولا في مواقعهم القيادية. لكن ورغم هذا كله فقد أصبح «التنظيم العالمي» الإخواني يشعر بالاقتراب من تحقيق أهدافه التاريخية كلها، بعد أن أصبحت تركيا وعلى رأسها رجب طيب إردوغان معه، وأصبح، أي هذا التنظيم، يمتلك «قطر» بثرواتها وبشيخها المُستعار يوسف القرضاوي وبات يتحالف مع إيران الخامنئية، ويقترب من السيطرة على ليبيا وعلى الوضع الفلسطيني كله... ولكن ومع ذلك فإنَّ «الإخوان» بتاريخهم المعروف حيث بقوا ودائماً وأبداً يغدرون بحلفائهم، سيكررون هذا بالتأكيد مرة أخرى، وإن الرئيس التركي سيجد نفسه في مواجهة معهم وهذا سيحصل مع المسؤولين القطريين ومع الإيرانيين الذين هم «أهل تقية» بالأساس والذين لديهم ما يسمى العلاقات المبدئية الدائمة، وما يسمى العلاقات النفعية الطارئة التي هي كهذه التي أقاموها مؤخراً مع من يختلفون معهم عقائديّاً ويعتبرونهم أتباعاً لـ«الشيطان الأكبر» الذي هو الولايات المتحدة كما يشيرون.
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>