مــقــــالات
العلمانية / محمد الأمين بن الشيخ بن بن مزيد
السبت, 02 يونيو 2018 10:42

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد فإن الهجمات الفكرة المتتالية على العالم الإسلامي كثيرة ومتنوعة ، وقد تمثلت في مذاهب هدامة زرعت زرعا في بلاد المسلمين ، وموضوعي محصور في (اللادينية ) التي يسمونها زورا (العلمانية )

ما العلمانية ما الظروف التي نشأت فيها ؟ ما موقف الإسلام من العلمانية ؟ كيف نواجه العلمانية ؟ ما العلمانية ؟ العلمانية ترجمة خاطئة للكلمة الأجنبية secularism والكلمة الأجنبية laicite وأدق الترجمات لها هي : اللادينية  ومعناها نبذ الدين وإقصاؤه عن الحياة أو بتعبير دائرة المعارف البريطانية  هي : " حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها . " ما الظروف التاريخية التي نشأت فيها العلمانية ؟ وقد نشأت( العلمانية ) في أوروبا ردة فعل على الدين المحرف الذي كان سائدا آنذاك، والذي لا صلة له بالدين الذي أنزله الله ، فقد حاول رجال الدين في أوروبا أن يكونوا وسطاء بين الله وعباده ، ودين الله يقول ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) ( سورة البقرة :  185 ) وقد أضفى رجال الدين على أنفسهم قداسة وعظمة ، وأحاطوا أنفسهم بهالة من الغموض والأسرر ، وأعطوا لأنفسهم حق التحليل والتحريم ، واتبعهم مقلدوهم  - في ذلك ، واتفق الجميع على الشرك قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون . )( سورة التوبة : 31) وقد اتفق السلف على أن معنى اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا أنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه  . وفي دين الله الحكم لله وحده ( إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ) ( سورة يوسف:  40) ( ولا يشرك في حكمه أحدا )( سورة الكهف : 26 ) وكان رجال الدين رجالا دنيويين تماما ، وكانت لهم أملاك واسعة ، وكانوا يديرون أموالا ضخمة ، يحصلون عليها عن طريق الهبات والوصايا والأوقاف . وكانوا كما قال الله عز وجل عنهم ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ...)( سورة التوبة : 34 ) ودين الله لا يحرم على المسلم العمل والكسب بل يدعوه إلى ذلك ، ولكنه يحرم عليه استغلال الدين لمآرب دنيوية . ودين الله يدعو إلى الاستغناء عما في أيدي الناس ، والتأسي بأنبياء الله الذين كانوا يعملون ويأكلون من عمل أيديهم ، " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داودكان يأكل من عمل يده  . " رواه البخاري وقد بايع رسول الله صلى الله علي وسلم مجموعة من أصحابه رضي الله عنهم على أن لا يسألوا الناس شيئا فكان أحدهم إذا سقط من يده السوط لم يطلب من أحد أن يرفعه إليه . وفقهاؤنا رحمهم الله اختلفوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن فالإمام أبو حنيفة يمنعه وكذلك الإمام أحمد وقد كان السلف رضي الله عنهم حذرين من استغلال الدين كأشد ما يكون الحذر ، روى أبو نعيم قال خرج ابن محيريز إلى بزاز يشتري منه ثوبا ،والبزاز لا يعرفه  ، وعنده رجل يعرفه ، فقال بكم هذا الثوب ؟ قال الرجل : بكذا وكذا ، فقال الرجل الذي يعرفه : أحسن إلى ابن محيريز  ، فقال ابن محيريز إنما جئت أشتري بمالي ، ولم أجئ أشتري بديني ، فقام ولم يشتر . وقد جاهدت الكنيسة من أجل بسط سلطانها ، وكان هدفها من هذا السلطان لا يتجاوز الأرض ، ومتاع الأرض  ، بل إنها سمحت للقانون الروماني أن يحل محل دين الله وأعلنت مقولتها المشهورة أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله  . والسلطان في دين الله يجب أن يكون لتنفيذ شريعة الله ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ( سورة الحج :  39 ) وقد طغى رجال الكنيسة  ففرضوا على العقول أن لا تفكر فيما خلقه الله تعالى في السماوات والأرض ، وفرضوا عليها أن تلتزم بما تقرره الكنيسة مما تدعي أنه حقائق علمية ،وقد عاقبت كل من خرج  على آرائها بوحشية فظيعة ،  فأحرقت برونو  لما قال بكروية الأرض ، وحبست غاليلو حتى تراجع عن ذلك القول . والمسلمون قد عرفوا كروية الأرض قبل كوبرنيكوس المتوفى سنة 1543 وبرونو المتوفى سنة 1600 وغاليلو المتوفى سنة 1642 فهذا ابن تيمية ينقل عن الإمام أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار ، من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد أنه قال : " أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة . قال :  ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد ، بل على المشرق قبل المغرب  . " ويقول ابن تيمية نفسه " وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة واستدل بقوله تعالى ( كل في فلك يسبحون . )( سورة الأنبياء :33) قال : الفلك الشيء المستدير واستدل بقوله ( يكور الليل على النهار ) ( سورة الزمر : 6)وقال التكوير التدوير  . " وكانت أخلاق رجال الدين تصد الناس عن دين الله . ثم كانت مهزلة صكوك الغفران . ودين الله يقول : ( كل نفس  بما كسبت رهينة ) ( سورة المدثر : 38) ثم كانت محاكم التفتيش التي ارتكبت الفظائع الشنيعة ، ودين الله لا يعرف هذه الوحشية ، ولا هذا التسلط . ثم كانت مساندة رجال الدين للظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتمثل في الإقطاع ( والإقطاع هو أبشع أنواع الظلم ، فأمير الإقطاعية حاكم مطلق يفعل ما يشاء ، وينفذ ما يريد ، هو السلطة التشريعية ، والسلطة القضائية ، والسلطة التنفيذية . ) لقدكانت العلمانية رد فعل على هذا الطغيان الكنسي- الذي لاصلة له بدين الله . ودين الله  يفرض على المسلم أحرى إذا كان عالما بالإسلام فقيها فيه أن يحارب الظلم والظالمين ،  وأن يغير المنكر ، وأن لا يكون ظهيرا للمجرمين قال تعالى ( فلا تكونن ظهيرا للكافرين )( سورة القصص: 86) ويقول الله عز وجل  عن موسى ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين )( سورة القصص : 16)  وأفضل الجهاد – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "كلمة حق عند سلطان جائر . " والله تعالى يقول :  ( ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) ( سورة المائدة :  64-65) والسحت هو الرشوة . ويقول تعالى (فلولا كان من القرون من قبلكم  أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين  ) ( سورة هود : 116) وقال تعالى( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون  ) ( سورة هود : 113) ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يعزل من بلغه أنه عمل مع الحجاج ، فروى أبو نعيم عن جعونة قال :  استعمل عمر عاملا فبلغه أنه عمل للحجاج فعزله ، فأتى يعتذر إليه فقال : لم أعمل له إلا قليلا ، فقال : حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم .  كانت اللادينية – إذن- في أوروبا رد فعل على هذا الطغيان الكنسي ، وهذا التحالف الظالم مع الظالمين . ثم جاءت اللادينية إلى العالم الإسلامي وافدة مع الاستعمار، وأصبحت لادينية (وطنية )في ظل عملاء الاستعمار . ما ثمرات العلمانية في بلاد المسلمين ؟ وكان من ثمرات اللادينية في مجال السياسة : هذه الأحكام الفرعونية التي تؤمن بمقولة فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) (سورة النازعات : 24) ( ما علمت لكم من إله غيري) (سورة القصص :38) وتتبنى أسلوبه في انتهاج سبيل الإرهاب ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم  في جذوع النخل ولتعلمُن أيُّنا أشد عذابا وأبقى  ) ( سورة طه : 70)وطريقه في التهريج ( فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى )  ( سورة النازعات : 23-24) وكان من ثمرات اللادينية في السياسة أيضا التبعية الذليلة للغرب ، والخضوع لأوامره ، والسير في الاتجاه  الذي يرسمه ، ومي موالاة يحرمها دين الله ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ( سورة المائدة : 53)( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ) ( سورة المائدة : 83)     وكان من ثمرات اللادينية في الاقتصاد تسليم ثروات المسلمين إلى أعدائهم من اليهود والنصارى والذين أشركوا بلا مقابل أو ( بثمن بخس دراهم معدودة  ) تترف بها عصابة قليلة من أوليائهم وأحبائهم . وكان من نتائجها في الاقتصاد هذه الديون التي تئن تحت وطأتها دول العالم الإسلامي ، والتي تزداد مع مرور الأيام نتيجة للتعامل الربوي ، ونتيجة لتلاعب" السفهاء " بأموال المسلمين . والله عز وجل يقول ( ولا تؤتوا السفها ء أموالكم التي جعل الله لكم قيما . ) ( سورة النساء : 5) وكان من ثمرات العلمانية في التعليم أن نقلت المناهج الغربية إلى بلاد المسلمين -كما هي- بلا تعديل ،وزرعت الأفكار الغربية  والتصورات الغربية ، عبر التعليم فتخرجت من هذا التعليم أجيال تتبع الغربيين شيرا بشبر وذراعا بذراع ،  وتقلدهم في الأخلاق والسلوك والميول ، ولاتعرف من الإسلام إلا اسمه ،  ولا من القرآن إلا رسمه ، وتحققت للغربيين الآمال التي كانوا يعلقونها على التعليم ، فقد كانوا يعتبرون أن " السبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي ، وعلى المبادئ الغربية ، وعلى التفكير الغربي ، والأساسُ الأولُ في كل ذلك هو أن يجري التعليم على الأسلوب الغربي ،  وعلى المبادئ الغربية ، وعلى التفكير الغربي،  هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره . " كما يقول المستشرق جيب وقد أحسن الشاعر إقبال عند ما قال : " إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي ، ثم يكونها كما يشاء ، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيرا من أي مادة كيميائية ، هو الذي يستطيع أن يحول جبلا شامخا إلى كومة من التراب . " وأبدع الشاعر أكبر الإله آبادي حين قال: " يا لِبلادة فرعون ، الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات ، وقد كان ذلك أسهلَ طريقة لقتل الأولاد ، ولو فعل ذلك لم يلحقه العارُ وسوءُ الأحدوثة في التاريخ . "  وكان من ثمرات اللادينية في المجتمع هذا التخلف المزمن ، وهذا الفساد المقيم ،وهذا الانحدار المستمر ، والتراجع المستمر . لا شك – إذن- أن العلمانية مذهب هدام ، لأن تنحية الدين عن الحياة معناه باختصار : القضاء على المستقبل الأخروي والمستقبل الدنيوي . ما موقف الإسلام من العلمانية ؟ الإسلام يرفض عزل الدين عن الحياة ، لأن الله تبارك وتعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط قال الله تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) ( سورة الحديد :  24) وأرسل الرسل ليطاعوا ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )( سورة النساء: 63) وأنزل الكتاب شاملا لكل شؤون الحياة ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لك لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ( سورة النحل: 89) وأمر بالحكم بجميع ما أنزل الله قال الله تعالى  ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك )(سورة المائدة : 51) وكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي خلفه نبي، وكان الربانيون والأحبار يحكمون بكتاب الله : التوراة . والله تعالى يقول (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب و بما كنتم تدرسون ) (سورة آل عمران : 78) والربانيون : جمع رباني نسبة إلى الربان وهو الذي يصلح أمور الناس ويربها ويقوم بها . والرباني ُّ الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم . كما رجح الطبري  قال الطبري : " معنى الآية ولكن يقول لهم : كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام وفرض وندب وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم وبتلاوتكم إياه ودراستكموه . " وكل ذلك رفض للعلمانية فالإسلام يرفض العلمانية لأن الإسلام دين شامل ، له شرائعه التي يجب اتباعها في كل مجال من مجالات الحياة ، وله تعاليمه التي تحدد للفرد سلوكه ، وتنظم له وقته ، وترسم له معالم الطريق وتعطيه ( دليل الحياة ) ومهمة الدولة في الإسلام حراسة الدين وتنفيذ أوامر الله والحكم بما أنزل الله ، وإقامة العدل طبقا لكتاب الله  . ووجود دولة علمانية في العصر الحديث يعني القضاء على الإسلام ، لأن الدولة الحديثة تتدخل في كل شؤون الحياة فإذا كان تدخلها بعيدا عن الدين تقلص ظل الإسلام ليأرز في النهاية إلى المسجد ، وامتد سمَوم الجاهلية ليحرق -في النهاية الحياة -والأحياء كيف نواجه العلمانية ؟ ولمواجهة العلمانية لا بد من اتحاد المسلمين في مواجهتها  وسبل الوحدة هي الاتفاق على برامج واضحة محددة في كل مجالات الحياة  والسعي إلى تنفيذها . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .العلمانية                                    بقلم / محمد الأمين بن الشيخ بن  بن مزيد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فإن الهجمات الفكرة المتتالية على العالم الإسلامي كثيرة ومتنوعة ، وقد تمثلت في مذاهب هدامة زرعت زرعا في بلاد المسلمين ، وموضوعي محصور في (اللادينية ) التي يسمونها زورا (العلمانية ) ما العلمانية ما الظروف التي نشأت فيها ؟ ما موقف الإسلام من العلمانية ؟ كيف نواجه العلمانية ؟ ما العلمانية ؟ العلمانية ترجمة خاطئة للكلمة الأجنبية secularism والكلمة الأجنبية laicite وأدق الترجمات لها هي : اللادينية  ومعناها نبذ الدين وإقصاؤه عن الحياة أو بتعبير دائرة المعارف البريطانية  هي : " حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها . " ما الظروف التاريخية التي نشأت فيها العلمانية ؟ وقد نشأت( العلمانية ) في أوروبا ردة فعل على الدين المحرف الذي كان سائدا آنذاك، والذي لا صلة له بالدين الذي أنزله الله ، فقد حاول رجال الدين في أوروبا أن يكونوا وسطاء بين الله وعباده ، ودين الله يقول ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) ( سورة البقرة :  185 ) وقد أضفى رجال الدين على أنفسهم قداسة وعظمة ، وأحاطوا أنفسهم بهالة من الغموض والأسرر ، وأعطوا لأنفسهم حق التحليل والتحريم ، واتبعهم مقلدوهم  - في ذلك ، واتفق الجميع على الشرك قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون . )( سورة التوبة : 31) وقد اتفق السلف على أن معنى اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا أنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه  . وفي دين الله الحكم لله وحده ( إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ) ( سورة يوسف:  40) ( ولا يشرك في حكمه أحدا )( سورة الكهف : 26 ) وكان رجال الدين رجالا دنيويين تماما ، وكانت لهم أملاك واسعة ، وكانوا يديرون أموالا ضخمة ، يحصلون عليها عن طريق الهبات والوصايا والأوقاف . وكانوا كما قال الله عز وجل عنهم ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ...)( سورة التوبة : 34 ) ودين الله لا يحرم على المسلم العمل والكسب بل يدعوه إلى ذلك ، ولكنه يحرم عليه استغلال الدين لمآرب دنيوية . ودين الله يدعو إلى الاستغناء عما في أيدي الناس ، والتأسي بأنبياء الله الذين كانوا يعملون ويأكلون من عمل أيديهم ، " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داودكان يأكل من عمل يده  . " رواه البخاري وقد بايع رسول الله صلى الله علي وسلم مجموعة من أصحابه رضي الله عنهم على أن لا يسألوا الناس شيئا فكان أحدهم إذا سقط من يده السوط لم يطلب من أحد أن يرفعه إليه . وفقهاؤنا رحمهم الله اختلفوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن فالإمام أبو حنيفة يمنعه وكذلك الإمام أحمد وقد كان السلف رضي الله عنهم حذرين من استغلال الدين كأشد ما يكون الحذر ، روى أبو نعيم قال خرج ابن محيريز إلى بزاز يشتري منه ثوبا ،والبزاز لا يعرفه  ، وعنده رجل يعرفه ، فقال بكم هذا الثوب ؟ قال الرجل : بكذا وكذا ، فقال الرجل الذي يعرفه : أحسن إلى ابن محيريز  ، فقال ابن محيريز إنما جئت أشتري بمالي ، ولم أجئ أشتري بديني ، فقام ولم يشتر . وقد جاهدت الكنيسة من أجل بسط سلطانها ، وكان هدفها من هذا السلطان لا يتجاوز الأرض ، ومتاع الأرض  ، بل إنها سمحت للقانون الروماني أن يحل محل دين الله وأعلنت مقولتها المشهورة أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله  . والسلطان في دين الله يجب أن يكون لتنفيذ شريعة الله ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ( سورة الحج :  39 ) وقد طغى رجال الكنيسة  ففرضوا على العقول أن لا تفكر فيما خلقه الله تعالى في السماوات والأرض ، وفرضوا عليها أن تلتزم بما تقرره الكنيسة مما تدعي أنه حقائق علمية ،وقد عاقبت كل من خرج  على آرائها بوحشية فظيعة ،  فأحرقت برونو  لما قال بكروية الأرض ، وحبست غاليلو حتى تراجع عن ذلك القول . والمسلمون قد عرفوا كروية الأرض قبل كوبرنيكوس المتوفى سنة 1543 وبرونو المتوفى سنة 1600 وغاليلو المتوفى سنة 1642 فهذا ابن تيمية ينقل عن الإمام أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار ، من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد أنه قال : " أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة . قال :  ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد ، بل على المشرق قبل المغرب  . " ويقول ابن تيمية نفسه " وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة واستدل بقوله تعالى ( كل في فلك يسبحون . )( سورة الأنبياء :33) قال : الفلك الشيء المستدير واستدل بقوله ( يكور الليل على النهار ) ( سورة الزمر : 6)وقال التكوير التدوير  . " وكانت أخلاق رجال الدين تصد الناس عن دين الله . ثم كانت مهزلة صكوك الغفران . ودين الله يقول : ( كل نفس  بما كسبت رهينة ) ( سورة المدثر : 38) ثم كانت محاكم التفتيش التي ارتكبت الفظائع الشنيعة ، ودين الله لا يعرف هذه الوحشية ، ولا هذا التسلط . ثم كانت مساندة رجال الدين للظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتمثل في الإقطاع ( والإقطاع هو أبشع أنواع الظلم ، فأمير الإقطاعية حاكم مطلق يفعل ما يشاء ، وينفذ ما يريد ، هو السلطة التشريعية ، والسلطة القضائية ، والسلطة التنفيذية . ) لقدكانت العلمانية رد فعل على هذا الطغيان الكنسي- الذي لاصلة له بدين الله . ودين الله  يفرض على المسلم أحرى إذا كان عالما بالإسلام فقيها فيه أن يحارب الظلم والظالمين ،  وأن يغير المنكر ، وأن لا يكون ظهيرا للمجرمين قال تعالى ( فلا تكونن ظهيرا للكافرين )( سورة القصص: 86) ويقول الله عز وجل  عن موسى ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين )( سورة القصص : 16)  وأفضل الجهاد – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "كلمة حق عند سلطان جائر . " والله تعالى يقول :  ( ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) ( سورة المائدة :  64-65) والسحت هو الرشوة . ويقول تعالى (فلولا كان من القرون من قبلكم  أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين  ) ( سورة هود : 116) وقال تعالى( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون  ) ( سورة هود : 113) ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يعزل من بلغه أنه عمل مع الحجاج ، فروى أبو نعيم عن جعونة قال :  استعمل عمر عاملا فبلغه أنه عمل للحجاج فعزله ، فأتى يعتذر إليه فقال : لم أعمل له إلا قليلا ، فقال : حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم .  كانت اللادينية – إذن- في أوروبا رد فعل على هذا الطغيان الكنسي ، وهذا التحالف الظالم مع الظالمين . ثم جاءت اللادينية إلى العالم الإسلامي وافدة مع الاستعمار، وأصبحت لادينية (وطنية )في ظل عملاء الاستعمار . ما ثمرات العلمانية في بلاد المسلمين ؟ وكان من ثمرات اللادينية في مجال السياسة : هذه الأحكام الفرعونية التي تؤمن بمقولة فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) (سورة النازعات : 24) ( ما علمت لكم من إله غيري) (سورة القصص :38) وتتبنى أسلوبه في انتهاج سبيل الإرهاب ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم  في جذوع النخل ولتعلمُن أيُّنا أشد عذابا وأبقى  ) ( سورة طه : 70)وطريقه في التهريج ( فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى )  ( سورة النازعات : 23-24) وكان من ثمرات اللادينية في السياسة أيضا التبعية الذليلة للغرب ، والخضوع لأوامره ، والسير في الاتجاه  الذي يرسمه ، ومي موالاة يحرمها دين الله ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ( سورة المائدة : 53)( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ) ( سورة المائدة : 83)     وكان من ثمرات اللادينية في الاقتصاد تسليم ثروات المسلمين إلى أعدائهم من اليهود والنصارى والذين أشركوا بلا مقابل أو ( بثمن بخس دراهم معدودة  ) تترف بها عصابة قليلة من أوليائهم وأحبائهم . وكان من نتائجها في الاقتصاد هذه الديون التي تئن تحت وطأتها دول العالم الإسلامي ، والتي تزداد مع مرور الأيام نتيجة للتعامل الربوي ، ونتيجة لتلاعب" السفهاء " بأموال المسلمين . والله عز وجل يقول ( ولا تؤتوا السفها ء أموالكم التي جعل الله لكم قيما . ) ( سورة النساء : 5) وكان من ثمرات العلمانية في التعليم أن نقلت المناهج الغربية إلى بلاد المسلمين -كما هي- بلا تعديل ،وزرعت الأفكار الغربية  والتصورات الغربية ، عبر التعليم فتخرجت من هذا التعليم أجيال تتبع الغربيين شيرا بشبر وذراعا بذراع ،  وتقلدهم في الأخلاق والسلوك والميول ، ولاتعرف من الإسلام إلا اسمه ،  ولا من القرآن إلا رسمه ، وتحققت للغربيين الآمال التي كانوا يعلقونها على التعليم ، فقد كانوا يعتبرون أن " السبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي ، وعلى المبادئ الغربية ، وعلى التفكير الغربي ، والأساسُ الأولُ في كل ذلك هو أن يجري التعليم على الأسلوب الغربي ،  وعلى المبادئ الغربية ، وعلى التفكير الغربي،  هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره . " كما يقول المستشرق جيب وقد أحسن الشاعر إقبال عند ما قال : " إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي ، ثم يكونها كما يشاء ، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيرا من أي مادة كيميائية ، هو الذي يستطيع أن يحول جبلا شامخا إلى كومة من التراب . " وأبدع الشاعر أكبر الإله آبادي حين قال: " يا لِبلادة فرعون ، الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات ، وقد كان ذلك أسهلَ طريقة لقتل الأولاد ، ولو فعل ذلك لم يلحقه العارُ وسوءُ الأحدوثة في التاريخ . "  وكان من ثمرات اللادينية في المجتمع هذا التخلف المزمن ، وهذا الفساد المقيم ،وهذا الانحدار المستمر ، والتراجع المستمر . لا شك – إذن- أن العلمانية مذهب هدام ، لأن تنحية الدين عن الحياة معناه باختصار : القضاء على المستقبل الأخروي والمستقبل الدنيوي . ما موقف الإسلام من العلمانية ؟ الإسلام يرفض عزل الدين عن الحياة ، لأن الله تبارك وتعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط قال الله تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) ( سورة الحديد :  24) وأرسل الرسل ليطاعوا ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )( سورة النساء: 63) وأنزل الكتاب شاملا لكل شؤون الحياة ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لك لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ( سورة النحل: 89) وأمر بالحكم بجميع ما أنزل الله قال الله تعالى  ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك )(سورة المائدة : 51) وكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي خلفه نبي، وكان الربانيون والأحبار يحكمون بكتاب الله : التوراة . والله تعالى يقول (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب و بما كنتم تدرسون ) (سورة آل عمران : 78) والربانيون : جمع رباني نسبة إلى الربان وهو الذي يصلح أمور الناس ويربها ويقوم بها . والرباني ُّ الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم . كما رجح الطبري  قال الطبري : " معنى الآية ولكن يقول لهم : كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام وفرض وندب وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم وبتلاوتكم إياه ودراستكموه . " وكل ذلك رفض للعلمانية فالإسلام يرفض العلمانية لأن الإسلام دين شامل ، له شرائعه التي يجب اتباعها في كل مجال من مجالات الحياة ، وله تعاليمه التي تحدد للفرد سلوكه ، وتنظم له وقته ، وترسم له معالم الطريق وتعطيه ( دليل الحياة ) ومهمة الدولة في الإسلام حراسة الدين وتنفيذ أوامر الله والحكم بما أنزل الله ، وإقامة العدل طبقا لكتاب الله  . ووجود دولة علمانية في العصر الحديث يعني القضاء على الإسلام ، لأن الدولة الحديثة تتدخل في كل شؤون الحياة فإذا كان تدخلها بعيدا عن الدين تقلص ظل الإسلام ليأرز في النهاية إلى المسجد ، وامتد سمَوم الجاهلية ليحرق -في النهاية الحياة -والأحياء كيف نواجه العلمانية ؟ ولمواجهة العلمانية لا بد من اتحاد المسلمين في مواجهتها  وسبل الوحدة هي الاتفاق على برامج واضحة محددة في كل مجالات الحياة  والسعي إلى تنفيذها . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

فرص تقدُّم العرب والثورة الصناعية الرابعة/ الدكتور / محمود محي الدين
الأربعاء, 16 مايو 2018 10:41

د. محمود محيي الدينفي الوقت الذي يشهد فيه العالم بزوغ ما يُطلق عليه الثورة الصناعية الرابعة، نتذكر أنه لم يكن نصيب العرب من الثورات الصناعية الثلاث السابقة وعوائدها متناسباً مع مقومات وإمكانات كامنة لديهم. ففي القرن الثامن عشر كان اختراع المحركات البخارية وما أحدثه من نقلة نوعية في اقتصاديات الإنتاج الصناعي إيذاناً بالثورة الصناعية الأولى. أما الثورة الصناعية الثانية، فقد تزامنت مع اكتشاف الكهرباء في القرن التاسع عشر، واستُحدثت منتجات جديدة غيّرت أنماط الإنتاج، بل طوّرت من حياة البشر، ولتنظر ببساطة إلى أثر أجهزة منزلية معمّرة كثلاجات تحفظ الطعام وغسالات كهربائية للملابس وغيرها. أما الثورة الصناعية الثالثة فلقد اعتمدت على المستجدات التكنولوجية في القرن العشرين التي ارتبطت باختراع وتطوير الحواسب الآلية وانتشارها في مجالات الإنتاج والخدمات ووسائل المعيشة. إلا أن الثورة الصناعية الرابعة تمثل نقلة كبرى في انطلاق الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من ابتكارات ومنتجات ستبدل حياة الناس والإنتاج بما لم تسبقها إليه أيٌّ من الثورات الصناعية السابقة. وهاكُمُ ثلاثة أمثلة ستمسّ مباشرة أوجه الحياة: - يجري تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس لشبكات الهواتف المحمولة، وفي خلال عامين ستكون هذه الشبكات أسرع بمقدار 50 مرة عما هو متاح لدينا الآن. وهناك علاقة وطيدة بين سرعة شبكات المعلومات والنمو الاقتصادي، ومن التقديرات أن كل زيادة بمقدار 10% من سرعة هذه الشبكات تزيد النمو الاقتصادي بنحو 1,3% وتتزايد تأثيراتها بمدى توسع وشمول هذه الشبكات لشرائح المجتمع وأماكن التعلم والعمل والسكن. - ستغير الطباعة ثلاثية الأبعاد أنماط الإنتاج وأسواق العمل عما نعهده. فبدلاً من اعتماد صناعة الأحذية الرياضية مثلاً، والتي تقدَّر قيمتها بما يزيد على 80 مليار دولار سنوياً، على عمالة قليلة التكلفة في دول نامية نرى اتجاهاً لمنتجي بعض الماركات والأصناف العالمية لإقامة مراكز تصنيع لهذه الأحذية بالقرب من أسواق استهلاكها، بما سيكون لذلك من آثار على فرص العمل وحركة التجارة والنقل واستثماراتها. - يكاد يحاكي مستقبل قطاع النقل والمواصلات في بعض المدن أفلام الخيال العلمي، بين سيارات ذاتية القيادة وحافلات وقطارات سريعة تنقل بشراً بأعداد غفيرة يتم التحكم فيها من خلال نظم معقدة لتكنولوجيا المعلومات، بما جعل رئيس شركة «ليفت» لنقل الركاب، المنافسة لشركة «أوبر»، يتنبأ بأن أغلب السيارات العاملة في شركته ستكون ذاتية القيادة خلال خمس سنوت فقط، وأن ملكية الفرد لسيارة في المدن الأميركية الكبيرة ستكون أمراً نادراً في منتصف العقد القادم. ولا يتوقف الأمر على انتقال الأفراد، بل يمتد وبمعدلات متسارعة لنقل البضائع براً، بعربات نقل متفاوتة الأحجام ذاتية القيادة، وجواً بطائرات من دون طيار تحلّق متفادية ازدحام الطرق ومختصرة الزمن، ناقلة للسلع، بل ومسعفة لمرضى وجرحى في مناطق قريبة وأخرى نائية. هذه مجرد أمثلة، وهناك أخرى كثيرة لنماذج من مستحدثات ومنتجات الثورة الصناعية الرابعة. سيزيد بعض هذه المنتجات من الكفاءة الإنتاجية للعامل والبعض الآخر سيحل محل العامل نفسه. والأمر هنا لا يقتصر على إحلال الماكينات محل ذوي الياقات الزرقاء من المهرة وغيرهم، كما حدث من قبل مع الثورة الصناعية الأولى، لكن الأمر يطول أصحاب ياقات بيضاء وتخصصات دقيقة حسبوا أنهم بمأمن، لكن الكائنات الآلية ذات الذكاء الاصطناعي المتطور باتت تهددهم. في هذا العالم الجديد قد لا تتحمل الاقتصادات العربية تكاليف باهظة للتخلص من تكنولوجيا تقادمت، لأن أكثرها غير موجود فيها أصلاً، على عكس حال الدول الصناعية القديمة وما يلزمها من إعادة هيكلة مكلفة وتعويضات. وبهذا قد تكون لبعض الدول العربية مزيّة البدء متأخراً بالتقدم من حيث انتهى الآخرون، والاستفادة من تجاربهم نجاحاً أو إخفاقاً وألا يعيدوا اختراع العجلة. لكن عليهم الأخذ بأسباب التقدم وألا يضيعوا فرصة التطور كما حدث من قبل مع الثورات الصناعية الثلاث السالفة. فبمراجعة مؤشرات التنافسية الدولية والتقارير الدورية عن تكنولوجيا المعلومات كتلك الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات، أو المنتدى الاقتصادي العالمي، تجد الدول العربية في مراتب متأخرة عالمياً، إلا قليلاً. هذا يحتّم بذل جهد فائق في إطار سياسات عامة وتكنولوجية منضبطة، تطبقها مؤسسات محترفة، لا تنظر إلى تكنولوجيا المعلومات علي أنها قطاع بيروقراطي مستقل، بل تدمجه وفق أزمنة ومواقيت محددة، قبل ضياع الفرص، في زمن لن يكترث فيه أحد لباكين على لبن مسكوب. أولى أولويات هذه السياسات تتمثل في الاستفادة من صغر أعمار المجتمعات العربية، وغلبة الشباب في التركيبة السكانية، والارتقاء برأس المال البشري من خلال التعليم والرعاية الصحية للجميع. فمن الحتمي في يومنا هذا تغيير التعليم من عملية رتيبة لا تزكّي معرفة ولا تطوّر مهارة، وتنتهي بشهادات مختومة لإتمام دراسة لا تفيد أصحابها إلا قليلاً. كما ينبغي توجيه الإنفاق إلى التدريب على المهارات والإلمام بالمعارف المتطورة من خلال نظم التعلم المستمر. فلا جدوى من نظم تعليم لا تُعِدّ الشباب بمعارف متقدمة في رباعي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ثانياً، النظر في استثمارات البنية الأساسية بما يتجاوز النفقات المعتادة في الطرق والموانئ ومثيلاتها من المجالات التقليدية، لتتناول إعدادها لمتطلبات مستقبل النقل والمواصلات، والعمل على تطوير الاستثمارات العامة والخاصة والمشتركة في البنية الأساسية المطلوبة للاستفادة من مستحدثات الثورة الصناعية الرابعة من شبكات إلى كابلات فائقة السرعة وتوسيع نطاق ورفع كفاءة نظم الهواتف المحمولة، والإنترنت، والاستثمار المبكر في تطبيقات الحواسب الآلية، وما يُعرف بالبلوك تشين أو سلسلة الكتل. ثالثاً، رغم تحسن مؤشرات الشمول المالي في الدول العربية في عام 2017، فإنه لا يزال أكثر من 60% من العرب من دون حسابات مالية أو بنكية، كما أن كثيراً منهم لا يملكون أرقاماً قومية موحدة، بما يمنعهم من الاستفادة من خدمات عامة ومنتجات خاصة تتطور يومياً من خلال شبكات المعلومات وتطبيقاتها. ولننظر إلى كينيا التي حققت تطوراً كبيراً في الشمول المالي تجاوز 75% من مواطنيها في فترة وجيزة، من خلال تعاون متميز بين جهات الرقابة المالية، والإشراف على قطاع الاتصالات والقطاع الخاص، كما استخدمت الهند تكنولوجيا رقمية، وبصمات العين لإدراج ما يزيد على مليار مواطن في السجلات والإحصاءات الرسمية ومن ثم الخدمات الحكومية. رابعاً، لم يكن القائلون بأن «قواعد البيانات الكبرى هي النفط الجديد» من المبالغين، فقواعد البيانات الكبرى هي وقود عصر المعلومات والاقتصاد الرقمي، ولا عجب في أن الشركات التكنولوجية الخمس المسيطرة على قواعد البيانات الكبرى هي الأكبر ربحية والأعلى قيمة في أسواق المال. فهل أعد العرب عدتهم للتعامل مع هذا النفط الجديد؟ للإجابة عن هذا السؤال تنبغي مراجعة قوانين المعلومات مثلما فعلت أوروبا بتشريعها الجديد الذي سيطبق في الخامس والعشرين من هذا الشهر بشأن «القواعد الرقابية العامة لحماية البيانات». كما تجب مراجعة الكفاءة المؤسسية في التعامل مع البيانات والمعلومات جمعاً وحفظاً وتحليلاً وتداولاً وإفصاحاً ومعايير حماية الخصوصية والسرية. علمنا من نتائج الثورات الصناعية الأولى أن المستقبل لمن سعى منطلقاً إلى رحاب التقدم، ولم يستنفد جهده متعلقاً بأحبال وهمٍ واهية، وأن الفيصل بين التقدم والتخلف مرتهن بسرعة توافق المجتمعات والاقتصادات مع مستجدات التكنولوجيا وترويضها لنفع الناس.

الدكتور / محمود محي الدين النايب الأور لرئيس البنك الدولي.   المصدر: الشرق الأوسط
فرص تقدُّم العرب والثورة الصناعية الرابعة/ الدكتور / محمود محي الدين
الأربعاء, 16 مايو 2018 10:41

د. محمود محيي الدينفي الوقت الذي يشهد فيه العالم بزوغ ما يُطلق عليه الثورة الصناعية الرابعة، نتذكر أنه لم يكن نصيب العرب من الثورات الصناعية الثلاث السابقة وعوائدها متناسباً مع مقومات وإمكانات كامنة لديهم. ففي القرن الثامن عشر كان اختراع المحركات البخارية وما أحدثه من نقلة نوعية في اقتصاديات الإنتاج الصناعي إيذاناً بالثورة الصناعية الأولى. أما الثورة الصناعية الثانية، فقد تزامنت مع اكتشاف الكهرباء في القرن التاسع عشر، واستُحدثت منتجات جديدة غيّرت أنماط الإنتاج، بل طوّرت من حياة البشر، ولتنظر ببساطة إلى أثر أجهزة منزلية معمّرة كثلاجات تحفظ الطعام وغسالات كهربائية للملابس وغيرها. أما الثورة الصناعية الثالثة فلقد اعتمدت على المستجدات التكنولوجية في القرن العشرين التي ارتبطت باختراع وتطوير الحواسب الآلية وانتشارها في مجالات الإنتاج والخدمات ووسائل المعيشة. إلا أن الثورة الصناعية الرابعة تمثل نقلة كبرى في انطلاق الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من ابتكارات ومنتجات ستبدل حياة الناس والإنتاج بما لم تسبقها إليه أيٌّ من الثورات الصناعية السابقة. وهاكُمُ ثلاثة أمثلة ستمسّ مباشرة أوجه الحياة: - يجري تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس لشبكات الهواتف المحمولة، وفي خلال عامين ستكون هذه الشبكات أسرع بمقدار 50 مرة عما هو متاح لدينا الآن. وهناك علاقة وطيدة بين سرعة شبكات المعلومات والنمو الاقتصادي، ومن التقديرات أن كل زيادة بمقدار 10% من سرعة هذه الشبكات تزيد النمو الاقتصادي بنحو 1,3% وتتزايد تأثيراتها بمدى توسع وشمول هذه الشبكات لشرائح المجتمع وأماكن التعلم والعمل والسكن. - ستغير الطباعة ثلاثية الأبعاد أنماط الإنتاج وأسواق العمل عما نعهده. فبدلاً من اعتماد صناعة الأحذية الرياضية مثلاً، والتي تقدَّر قيمتها بما يزيد على 80 مليار دولار سنوياً، على عمالة قليلة التكلفة في دول نامية نرى اتجاهاً لمنتجي بعض الماركات والأصناف العالمية لإقامة مراكز تصنيع لهذه الأحذية بالقرب من أسواق استهلاكها، بما سيكون لذلك من آثار على فرص العمل وحركة التجارة والنقل واستثماراتها. - يكاد يحاكي مستقبل قطاع النقل والمواصلات في بعض المدن أفلام الخيال العلمي، بين سيارات ذاتية القيادة وحافلات وقطارات سريعة تنقل بشراً بأعداد غفيرة يتم التحكم فيها من خلال نظم معقدة لتكنولوجيا المعلومات، بما جعل رئيس شركة «ليفت» لنقل الركاب، المنافسة لشركة «أوبر»، يتنبأ بأن أغلب السيارات العاملة في شركته ستكون ذاتية القيادة خلال خمس سنوت فقط، وأن ملكية الفرد لسيارة في المدن الأميركية الكبيرة ستكون أمراً نادراً في منتصف العقد القادم. ولا يتوقف الأمر على انتقال الأفراد، بل يمتد وبمعدلات متسارعة لنقل البضائع براً، بعربات نقل متفاوتة الأحجام ذاتية القيادة، وجواً بطائرات من دون طيار تحلّق متفادية ازدحام الطرق ومختصرة الزمن، ناقلة للسلع، بل ومسعفة لمرضى وجرحى في مناطق قريبة وأخرى نائية. هذه مجرد أمثلة، وهناك أخرى كثيرة لنماذج من مستحدثات ومنتجات الثورة الصناعية الرابعة. سيزيد بعض هذه المنتجات من الكفاءة الإنتاجية للعامل والبعض الآخر سيحل محل العامل نفسه. والأمر هنا لا يقتصر على إحلال الماكينات محل ذوي الياقات الزرقاء من المهرة وغيرهم، كما حدث من قبل مع الثورة الصناعية الأولى، لكن الأمر يطول أصحاب ياقات بيضاء وتخصصات دقيقة حسبوا أنهم بمأمن، لكن الكائنات الآلية ذات الذكاء الاصطناعي المتطور باتت تهددهم. في هذا العالم الجديد قد لا تتحمل الاقتصادات العربية تكاليف باهظة للتخلص من تكنولوجيا تقادمت، لأن أكثرها غير موجود فيها أصلاً، على عكس حال الدول الصناعية القديمة وما يلزمها من إعادة هيكلة مكلفة وتعويضات. وبهذا قد تكون لبعض الدول العربية مزيّة البدء متأخراً بالتقدم من حيث انتهى الآخرون، والاستفادة من تجاربهم نجاحاً أو إخفاقاً وألا يعيدوا اختراع العجلة. لكن عليهم الأخذ بأسباب التقدم وألا يضيعوا فرصة التطور كما حدث من قبل مع الثورات الصناعية الثلاث السالفة. فبمراجعة مؤشرات التنافسية الدولية والتقارير الدورية عن تكنولوجيا المعلومات كتلك الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات، أو المنتدى الاقتصادي العالمي، تجد الدول العربية في مراتب متأخرة عالمياً، إلا قليلاً. هذا يحتّم بذل جهد فائق في إطار سياسات عامة وتكنولوجية منضبطة، تطبقها مؤسسات محترفة، لا تنظر إلى تكنولوجيا المعلومات علي أنها قطاع بيروقراطي مستقل، بل تدمجه وفق أزمنة ومواقيت محددة، قبل ضياع الفرص، في زمن لن يكترث فيه أحد لباكين على لبن مسكوب. أولى أولويات هذه السياسات تتمثل في الاستفادة من صغر أعمار المجتمعات العربية، وغلبة الشباب في التركيبة السكانية، والارتقاء برأس المال البشري من خلال التعليم والرعاية الصحية للجميع. فمن الحتمي في يومنا هذا تغيير التعليم من عملية رتيبة لا تزكّي معرفة ولا تطوّر مهارة، وتنتهي بشهادات مختومة لإتمام دراسة لا تفيد أصحابها إلا قليلاً. كما ينبغي توجيه الإنفاق إلى التدريب على المهارات والإلمام بالمعارف المتطورة من خلال نظم التعلم المستمر. فلا جدوى من نظم تعليم لا تُعِدّ الشباب بمعارف متقدمة في رباعي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ثانياً، النظر في استثمارات البنية الأساسية بما يتجاوز النفقات المعتادة في الطرق والموانئ ومثيلاتها من المجالات التقليدية، لتتناول إعدادها لمتطلبات مستقبل النقل والمواصلات، والعمل على تطوير الاستثمارات العامة والخاصة والمشتركة في البنية الأساسية المطلوبة للاستفادة من مستحدثات الثورة الصناعية الرابعة من شبكات إلى كابلات فائقة السرعة وتوسيع نطاق ورفع كفاءة نظم الهواتف المحمولة، والإنترنت، والاستثمار المبكر في تطبيقات الحواسب الآلية، وما يُعرف بالبلوك تشين أو سلسلة الكتل. ثالثاً، رغم تحسن مؤشرات الشمول المالي في الدول العربية في عام 2017، فإنه لا يزال أكثر من 60% من العرب من دون حسابات مالية أو بنكية، كما أن كثيراً منهم لا يملكون أرقاماً قومية موحدة، بما يمنعهم من الاستفادة من خدمات عامة ومنتجات خاصة تتطور يومياً من خلال شبكات المعلومات وتطبيقاتها. ولننظر إلى كينيا التي حققت تطوراً كبيراً في الشمول المالي تجاوز 75% من مواطنيها في فترة وجيزة، من خلال تعاون متميز بين جهات الرقابة المالية، والإشراف على قطاع الاتصالات والقطاع الخاص، كما استخدمت الهند تكنولوجيا رقمية، وبصمات العين لإدراج ما يزيد على مليار مواطن في السجلات والإحصاءات الرسمية ومن ثم الخدمات الحكومية. رابعاً، لم يكن القائلون بأن «قواعد البيانات الكبرى هي النفط الجديد» من المبالغين، فقواعد البيانات الكبرى هي وقود عصر المعلومات والاقتصاد الرقمي، ولا عجب في أن الشركات التكنولوجية الخمس المسيطرة على قواعد البيانات الكبرى هي الأكبر ربحية والأعلى قيمة في أسواق المال. فهل أعد العرب عدتهم للتعامل مع هذا النفط الجديد؟ للإجابة عن هذا السؤال تنبغي مراجعة قوانين المعلومات مثلما فعلت أوروبا بتشريعها الجديد الذي سيطبق في الخامس والعشرين من هذا الشهر بشأن «القواعد الرقابية العامة لحماية البيانات». كما تجب مراجعة الكفاءة المؤسسية في التعامل مع البيانات والمعلومات جمعاً وحفظاً وتحليلاً وتداولاً وإفصاحاً ومعايير حماية الخصوصية والسرية. علمنا من نتائج الثورات الصناعية الأولى أن المستقبل لمن سعى منطلقاً إلى رحاب التقدم، ولم يستنفد جهده متعلقاً بأحبال وهمٍ واهية، وأن الفيصل بين التقدم والتخلف مرتهن بسرعة توافق المجتمعات والاقتصادات مع مستجدات التكنولوجيا وترويضها لنفع الناس.

الدكتور / محمود محي الدين النايب الأور لرئيس البنك الدولي.   المصدر: الشرق الأوسط
مجرد أحرف ناسخة / الكاتب سمير عطا الله
الأربعاء, 16 مايو 2018 08:39

سمير عطا اللهبعد الحرب العالمية الثانية، أطلقت الولايات المتحدة في أوروبا «مشروع مارشال»، الذي حمل اسم وزير خارجيتها الجنرال جورج مارشال. شملت المساعدات حلفاء أميركا في الحرب وبعض أعدائها، مثل ألمانيا الغربية. وانتهت المسألة كلها إلى أن أميركا كسبت مجموعة من الأصدقاء الناجحين اقتصادياً، الذين أصبحوا من أهم شركائها أيضاً. يخيّل إلى أن مشروع، أو «خطة» مارشال، كان أهم المبادرات التي عرفتها السياسات الدولية. وعندما أفكر في أن صاحب المشروع كان عسكرياً، لا بد من وضعه في مرتبة دوايت أيزنهاور الذي هدد دول العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وأرغمها على التراجع، أو في الجنرال ديغول، الذي وقف ضد رفاقه العسكريين من أجل إنهاء حرب فرنسا في الجزائر. يواجه الغرب الآن، وإلى حد ما، جزءٌ كبيرٌ من العالم، موقفاً عدائياً من روسيا وفلاديمير بوتين. أتذكر نهايات الاتحاد السوفياتي عام 1991، يوم انفرطت الجمهوريات الخمس عشرة كل في حالها. كانت تلك أعظم فرصة في تاريخ أميركا وتاريخ الأرض لقيام عالم جديد يدوم سلامه قرناً على الأقل. كانت روسيا المتعبة في حاجة إلى «مشروع مارشال» آخر، يساعدها على أزمتها الاقتصادية وعلى تدبير آثار الانهيار الكبير. وراح ميخائيل غورباتشوف يطلب علناً، وفي شيء من المهانة، الشراكة مع الخصم السابق. لكن رد جورج بوش الأب كان ثأرياً وسطحياً وقصير النظر. أراد أن يتمتع برؤية العملاق الروسي منهاراً ومفتّتاً بدل من أن يساعد موسكو على أن تصبح حليفاً آخر مثل اليابان وألمانيا. التصرف الأميركي المتعالي هو الذي حرّض الروس على غورباتشوف. وهو الذي أعاد عتاة الكرملين مثل يفغيني بريماكوف، الذي قطع رحلته الشهيرة إلى أميركا من فوق الأطلسي، ليعود إلى موسكو. وتتالت الأمور بحيث وصلت إلى ظاهرة بوتين، الذي شكّل للروس رمز العودة إلى النهضة الوطنية. خسر العالم بأجمعه فرصة انفراج تاريخي لا أحد يعرف كم كان سيكون مداه. وأدى الصراع الذي قام مجدداً إلى تسرب ظاهرة الإرهاب من بين أصابع الفريقين. وكالعادة، دفع الشرق الأوسط ثمن الجزء الأكبر من الصراع باعتباره الساحة الأكثر تعرضاً للاشتعال. كلما توغلنا في الصراع الجديد، تذكرنا لو صدف وجود جورج مارشال في واشنطن مع وجود ميخائيل غورباتشوف في موسكو. غير أن الأسلاف قد سبقونا في إدراك العبث، وسمّوا ليت ولعل أحرفاً ناسخة.

انتساب المعارضة للاتحاد:جوقة ,مكر أم وعي؟ / محمد يحيي ولد العبقري
الاثنين, 16 أبريل 2018 17:21

 

هذا المكتوب ليس دعوة إلي التشدد والانغلاق علي الذات وغلق الباب أمام المهتمين بالانتساب إلي الحزب ولا يدعو البتة إلي الكراهية بل هو نصيحة يراد منها خلط الإلانة بالحزم ف:قليل ملتزم خير من كثير فيه ما يقال . من الطبيعي أن تفتح الأحزاب حملات الانتساب للاستزادة من المواطنين ومن ولائهم لبرامجها ومن العادي جدا أن يجدد الحزب هيئاته طبقا لما تمليه النصوص المنظمة

 ومثله أن يتطلع ويتفطن إلي الشباب والنساء بوصفهم طاقة حية تفيد في إحداث الديناميكية المطلوبة قبل الانتخابات. وكذلك يدخل في أهداف الحزب عمل المستطاع لاستمالة كوادر ومناضلي الأحزاب المنافسة فتقطع معها وتنضوي فيه . الكل جائز في التعامل السياسي بغرض الانتفاع من كل وضع وكل حدث عل وعسي يكون فتح بموجبه تزداد الفئة المنتسبة وتعداد المنتسبين الحقيقيين. ومن جهة تطمح التيارات السياسية إلي كسب ود الناس وفي ذلك تستخدم كل الأساليب سواء منها المعقول وغيره فالقصد واضح:حصول أكبر كم ممكن من المنتمين لمواجهة المقبل من الاستحقاقات وما أكثرها  2019. حملة الانتساب للاتحاد: لقد لاقت الحملة-والحق يقال- تجاوبا واسعا من لدن المواطنين و زادهم اهتمام رئيس الجمهورية بالحزب وبإصلاحه,اشتم الناس من اهتمام الرئيس بالحزب ما أقنعهم بزيادة الحماس فيه حفاظا علي مكتسب فعلي وطمعا في آت. وليس من الغريب أن يتناغم الحزبيون والأغلبية بشكل عام مع ما من شأنه بعث النشاط في هيئاتهم وتفعيلها لجعلها تقوم بدورها في البناء الوطني. ولا يستغرب أيضا أن يغادر أقوام أحزاب المعارضة ليلتحقوا بالحزب الحاكم بسبب الكثير من الأسباب التي لا سبيل إلي ذكرها هنا. هل من ورائه مكر سياسي ؟ إن الإقبال العجيب للمعارضين وازدحامهم أمام المكاتب للانتساب للاتحاد لن يكون إلا لأسباب  قد يكون منها: - الاقتناع:وهو مرفوض إذ لو كان  تم ما تحروا به حملة الانتساب ولعبروا عنه باستقالات موثقة . -تلبية طلب الأقارب الحزبيين لزيادة عددهم في الظاهر:هو كذلك مرفوض لأن ضرره أكبر من نفعه فلا فائدة في انتساب شكلي ظاهره رحمة وباطنه لعب. -أن يكون صدفة :وهل يعقل أن امرء يذهب إلي مكتب للانتساب في حزب معين ثم نقول :فعلها صدفة ؟ -أن تكون ثمة أهداف مكر و تشويش:هذا هو المستساغ ومع جهلنا للمراد به نكاد نجزم أنه لا يخدم مصالح حزب الاتحاد فلا يعقل أن تنضم وبكثرة معارضة تنافس و قاب قوسين من استحقاقات للحزب الذي تنافسه,أي منطق هذا؟ ومهما تكن الأسباب  من وراء هذا فالمؤكد أن مذهب تفاني المعارضة في الأغلبية  من دون مقدمات غير مشهور . انه يدخل في إحياء الفتنة بين طرفي الأغلبية بدعم أحدهما عدديا علي الآخر حتي إذا جاء الاقتراع بقي الأمر علي ما كان عليه . صحيح أنه ليس في السياسة عدو دائم لكن الحاصل في موريتانيا أن العداء السياسي أزلي حيث الأمور محكومة بالعاطفة لا بالرشاد . وان أردت أن تدلل عليه فانظر من حولك لتجد أن المواقف السياسية هي هي والمرشحين هم هم , الكل لا يعتريه التبديل ولا التجديد. وإذ ندرك أهمية انتساب الناس للحزب وأنه يزيد الحاصل الانتخابي لا نشك في كون  دخول المعارضين في الأغلبية  سيوسع ثقوب الفوارق والاختلافات إذ لا يعقل أنهم جاءوا بدافع الاقتناع والرجوع إلي الصواب كما ذكرنا . إن سعينا لضم المزيد مشروع علي أن يواكبه عزمنا علي رفض التلاعب والفوضى حتي لا نقول المكر. ومن جهة ما عسي تكون ردة فعل الحزب في حال بين الاقتراع القادم أنهم : لازالت تلك دعواهم؟  ومن نافلة القول أن الرئيس ومن حوله أكثر تفطنا وإدراكا للذي يجري وأحرص علي الأصلح   لكن الذكري تنفع . أدام الله عافيته علي الجميع.

 

إلى زعيم حركة العنصرية اللونية في موريتانيا/ عزيز ولد الصوفي
الجمعة, 09 مارس 2018 11:59
alt

عزيز ولد الصوفي، صحفي

لم يكن صار ليتوفه بما تفوه به من عنصرية مقيتة خلال مقابلته مع صحيفة "سيد كوتيديان" السنغالية، لولا أنه شعر بوجود حرية التعبير في بلادنا، وأطمأن لسلمية شعبها الأبي، لقد تجاوز صار ابراهيها، غير الموريتاني الأصل، كل الحدود وقدم إحصائيات مغلوطة ولم يدخر جهدا في التحريض على الفتنة وتهديد الوحدة الوطنية ومحاولة تعكير صفو الانسجام الاجتماعي ... والغريب في الأمر أن صار هذا رئيس حزب سياسي وترشح لمنصب رئيس الجمهورية أكثر من مرة، فماذا لو تسلم سدة الحكم إذن؟ إن مثل هذه التصريحات العنصرية والتافهة مرفوضة شكلا ومضمونا، وتدل على أن أصحابها فشلوا في تفكيك وحدة الشعب الموريتاني وتماسكه ولم يبقى أمامهم سوى إطلاق مثل هذه الفقاعات النشاز. غير أن ما فات على صار هو أنه ليس ناطقا باسم الزنوج ولا باسم الشعب الموريتاني وإذا كان يشكك في ذلك عليه العودة لقراءة نتائجه في الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة. ثق أيها العنصري اللوني صار .. بأن الاحصائيات التي تقدمت بها كاذبة وكل المعلومات التي تفوهت بها في مقابلتك مع صحيفة "سيد كوتيديان" السنغالية مغلوطة، ولن تساعدك في مهمتك الدنيئة الرامية إلى نشر الكراهية والفكر العنصري المتطرف .. صار .. أنت العنصري ولا أحد سواك، فنحن شعب واحد يسكن كوكباً واحداً، وأسرة بشرية يجمعها دين واحد، ومرتبطة بمصير مشترك .. نحن أمة موريتانية عظيمة تسعى لبناء دولة قانون يسود فيها العدل والمساواة، فلن تفرقها دعايتك التافهة، ولن تضرها أقاويلك المتناقضة والممجوجة. عاشت موريتانيا موحدة وقوية عاش الشعب الموريتاني الأبي تسقط العنصرية اللونية.

لماذا جاء أردوغان إلى نواكشوط؟
الخميس, 01 مارس 2018 10:13

انتصار آخر للدبلوماسية الموريتانية، ونجاح يُضاف إلى إنجازات القاطرة الموريتانية المغذة دوما سيرا إلى المجد، وعلامة أخرى على قدرة موريتانيا على أن تمتلك في الآن نفسه علاقات جد متميزة مع كل الفاعلين الدوليين والإقليميين.

اليوم كان رئيس إحدى أكبر وأهم دول العالم الإسلامي، والعضو المسلم الوحيد في حلف شمال الأطلسي في نواكشوط.

من المؤكد أن رجب طيب أردوغان لن يقدم وهو 140 من رجال أعمال بلده إلى هنا عبثا، ولا لتزجية الفراغ وإمضاء أوقات استجمام في بلادنا.

لو لم تكن موريتانيا ذات أهمية في حسابات قصر "يلدز" ذي التراكم التاريخي العبق، لما طار إليها الرئيس أردوغان، وهو القادم من منطقة مليئة بالمشاغل والمشاكل والاهتمامات.

أردوغان القائد المحبوب من طرف شعبه، والذي بادله شعبه حبا بحب؛ حينما وقف بصدوره العارية أمام الدبابات التي كانت تريد إزاحته من السلطة، يتقاسم نفس الصفة والسمة مع الرئيس محمد ولد عبد العزيز.

كلاهما قادم من عمق الشعب، ويتحدث مباشرة مع الشعب، وكلاهما محبوب الشعب.

كما أن كليهما حقق معجزة في بلده ومنطقه، ولكن بينهما فرقا جليا لصالح الرئيس محمد ولد عبد العزيز.

جاء أردوغان لحكم تركيا، التي ينحاز لها التراكم التاريخي الامبراطوري والموقع الجغرافي في سرة العالم القديم، فبنى على تراكمات أسلافه.

وجاء الرئيس عزيز لحكم موريتانيا البعيدة هناك في أطراف العالم العربي على تخوم إفريقيا جنوب الصحراء.. ليقف خلف معجزة دبلوماسية واقتصادية وسياسية وأمنية جد مبهرة.

كسر الرئيس عزيز القانون الطبيعي والقاعدة العتيقة القائلة بأن الأطراف لا تؤثر في المركز، ليخلق قانونا جديدا وقاعدة مؤداها أن الأطراف قد تكبر فتغدو مركزا، ولتخسأ الجغرافيا.

وللرئيس ولد عبد العزيز سلف ماجد في كسر هذه القاعدة التعيسة.. استقراء التاريخ يقول: كلما أرادت موريتانيا أو بنوها أن يجلجلوا بفعالهم في سمع الزمان كان لهم ذلك.

ألم يقم أسلاف الرئيس عزيز المرابطون، البداة القادمون من صحاري الملح على شاطئ الأطلسي بالشيء نفسه، عندما أقاموا دولة تمتد من أعالي نهر النيجر جنوبا حتى سفوح البرينيه بين إسبانيا وفرنسا حاليا شمالا، ومن تخوم برقة شرقا حتى أنف بحر الظلمات غربا.

على مدى ألف عام منذ أن اخترق سهم غادر صدر الفارس أبي بكر بن عمر مقدما غير مدبر، لم يمسك أي من زعماء المنكب فبلاد الملثمين فموريتانيا، لم يمسك الراية بعده سوى محمد ولد عبد العزيز.

يقال إن المعاصرة تنفي المناصرة، وشدة القرب حجاب، لكن أهل موريتانيا المنصفين يعرفون أنه لم يحج إليهم يوما من الأيام قادة العالم شرقا وغربا قبل محمد ولد عبد العزيز.

جاء أردوغان الرجل الحصيف لموريتانيا، قطع المسافات لنواكشوط، التي يرفرف فيها علم الجمهورية العربية السورية.

موريتانيا التي توالي حسب مصلحتها، ولا تعادي حسب إملاءات الآخرين.

موريتانيا التي تحتفظ بعلاقات أكثر من حميمة مع الرياض، ولا تفرط في علاقاتها الأخوية التليدة مع طهران.

معادلة الدبلوماسية الموريتانية ببساطة هي البحث عن مصالح موريتانيا في ضوء دعم القضايا العادلة والدفاع عن الحق والعدل والسلم في العالم.

ومن الواضح من تتبع خيوط هذه المعادلة أن عقلا واعيا راشدا يقف خلف هذه الفيسفساء الدبلوماسية التي تجمعها نواكشوط.

لو لم يكن الرئيس محمد ولد عبد العزيز هو من رسم بدقة ملامح الدبلوماسية الموريتانية لما جمعت موريتانيا علاقات حميمة مع مختلف الفرقاء في العالم، وذلك وجه آخر من مظاهر عبقرية الرجل، ودليل أكثر من جلي على حاجة موريتانيا إليه اليوم وغدا.

الداه صهيب

حديث في المأموريات ، وأجندة الانتخابات ، ورؤى الإصلاح / محمد الشيخ ولد سيد محمد
الأربعاء, 21 فبراير 2018 12:06

 

يدور نقاش  بعضه  علني ومتباين، وبعضه في السراديب خافت وخجول ، عن المأمورية الثالثة، والانتخابات التشريعية والبلدية القادمة، وفكرة إصلاح  كل من قطبي الأغلبية والمعارضة.، وما أسوقه هنا  يعبر عن وجهة نظري الخاصة، ولأنني  لا واجب  تحفظ  ينم به ، ولا انتماء لطائفة   يفزع إليه ، فانه حري  بمن يقرأ  النصوص قراءتبن، ويسبح سبحا في الاتجاه المعاكس، أن يفهم رسائل هذا المقال الثالث ، من نقوش على جدار الذاكرة،  وتحمل  رسائله على محملها، 

 رسائل ليست مشفرة، ولا متوارية وراء  إملاق أو إغلاق. للأسف  لا يقرأ السياسيون الموريتانيون  غير نواياهم  ولا يكتبون بصراحة  عن قناعاتهم ، وتلك معضلة  من يواكب قيادات المعارضة  و من يصغي لمجالس  الأغلبية . الأجندة الانتخابية تبدو أجندة الانتخابات   النيابية ، وفرز المجالس الجهوية والبلدية ضاغطة، وتحتاج إلى مناخ وطني  يطبعه التفاهم على أسس مشتركة من أهمها: مشاركة جميع الأطياف، والاحتكام إلى لجنة مستقلة للانتخابات تتمتع بمصداقية ، ورضا جميع الأطراف بالاحتكام إلى الدستور والقوانين المطبقة، التي يجب الإقرار بأن إصلاحات هيكلة قد أدخلتها مخرجات الحوارات  المنظمة2011 و2017 إليها. ولكي نواجه أحادية أحزاب  كرست زعامة الفرد في قطب المعارضة، يحتاج المنتدى والتشكيلات التي تتناغم معه إلى نقد جريء كالذي قام به النقيب السابق والمرشح للرئاسيات المنسحب، فلا يعقل أن يبقي رؤساء أحزاب ونقابات المعارضة يرفضون التداول والديمقراطية ، ويجددون المأموريات لقادتهم، ويكررون تجارب الفشل في الأداء السياسي وفي خطابات نفي الآخر، ونكران ما أنجز بشكل ملموس في مجالات  الأمن والحريات والتنمية.، ويزايدون على غرمائهم. يجب أن نعترف بأن حزبا سياسيا واحدا من هذا القطب ، قام بمحاولة مراجعة ، وأخذ قرار  المشاركة في الانتخابات، وقبل التداول بين رموزه، وأعلن أن خيار الرحيل أفل، وأن مساره كان  مسارا فاشلا، وهذا الاتجاه  داخل المعارضة اتجاه صحي، تحتاجه جماهير معارضة  أثقل كاهلها عبدة" العجل" ، وشجرة "ذات أنواط" ، " كهول المخزن، وكهوف التخندق في مجال عبادة الرأي وعبادة الفرد"؟ تحتاج  المعارضة الوطنية اليوم  باختلاف مشاربها، إلى وضع رؤية  جديدة  تتبني فيها بإجماع عدم مقاطعة أية انتخابات تشريعية أوتنفيذية، والاعتراف بأن الرئيس عزيز حقق منجز السلم والاستقرار لموريتانيا ، في عشرية كانت سوداء في العالمين العربي والإفريقي، وأن موريتانيا  الآن أصبحت محور أي نظام للأمن الإقليمي في دول الساحل والمغرب العربي باعتراف الأطراف الداخلية والخارجية، ويجب أن تشمل هذه الرؤية التحول من المطالب إلى مخرجات الحوارات التي تؤسس لحكامة شاملة ، فلا يعقل أن تراوح تيارات سياسية ونضالية، التمسك بثقافة المانيفيست ، واللوائح المطلبية، إذ لا يجوز أن نرهن البلد والحقب ، لأغراض فئوية وشخصية. أما على صعيد الأغلبية والمعارضة المحاورة، فتبدو  مراحل تشريع قوانين الحوارين2011/2017، والتهيئة لإصلاحات هيكلية مكتملة ويبدو أن حقوق الطرفين تم  احترامهم في مجال تشريع  ما تم التوقيع عليه بين الطرفين، وهذا يعني أن فريق لجنة المتابعة المشكلة من هذه الأطراف كان آلية مقبولة، ومرجعية لحل الخلافات البينية، وهذا التوجه يجب أن يتعزز بإنشاء ميثاق وطني دائم،  يجمع الأغلبية والمعارضة المحاورة ،وقد بينت التجربة أن رعاية القصر ومتابعته لتنفيذ ما أقر سببا كافيا للثقة في أداء الرئيس لصلاحياته الدستورية. ويتيح هذا المسار  إمكانية أن يقرر النظام، بعد سنة من تنفيذ أجندة الحوار، فتح حوار جديد أو تنفيذ  الانتخابات في آجالها المحددة طبقا للقانون. إن فشل سيناريوهات التشويش على هذا المسار من قبل أطراف خارجية ، ووضوح  انسداد من يتصارعون  داخل  الأغلبية، سمح بادراك حكمة  الرئيس عزيز في التريث، والمراهنة على فتح مسار إكمال الإصلاحات بات من مسؤولية فريق شباب الأغلبية غير المؤدلج الذي رمى الرئيس الكرة في ملعبه، ولا يبدو أن محاولات  قتل الوقت أو توجيه السفينة إلى أغراض  أحد أطراف النزاع العبثي ستنجح. فالرهان  الأصعب كان دائما ولا يزال، على  إصرار الرئيس على اختيار المصلحة العامة  للبلد، والنأي بها عن سماسرة المال والسياسة معا. رؤى الإصلاح لا شك أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية بعد مراحل  نشأة الدولة، والتأميم وحرب الصحراء، والانقلابات العسكرية ، وانتخابات 2009 وما  أعقبها من التعديلات الدستورية2016/2017، بحاجة  إلي رؤية  جذرية  تحمي حضارة ّ"اللوح والدراعة" من الانقراض،والتمييع. فهذا  القلب والقالب سواء رأيناهما في حدود المواطنة ، أوأد راكنا  امتداداتهما في جغرافية فضاء الرحل والانتجاع ، من  تيمبكتو  وأزواد، الي النيجر والبيت الحرام ومن سيرت و وتيندوف،الى  مراكش والصحراء الغربية، ومن فضاءات المهجر التي رسمت  تنقل القلب والقالب ،من جبال الهملايا في الهند إلي بلاد الكاكاو بساحل العاج. حضارة تنتج العالم الذي أقرأ كل الألواح، والشاعر الذي أقرض الشعر في كل البحور ، ونشر دين المحبة بلا رشوة، وثقافة الأخوة بلا اكراه هي  بنت لئالئ  الجمال، لا تبان بكلمتين، ولا تباع بثمن بخس دراهم معدودة، بل تناخ لها القصواء، ويؤذن لها  الأذان، وتضرب إليها أكباد الإبل، ويماط لها اللثام، ويجار في سبيل بقائها  كل آبق أناب ، وكل صعلوك تاب.، وكل هارب  للنداء أجاب. المأموريات يظن بعضهم  أن المأموريات   أشخاص  وألقاب وليست برامج وخطط  وما هكذا  تؤكل  الكتف  ، ويهوى  بعضهم  السجال  حول  سياسات  فريق  حكومي  أو تيار سياسي  يسعي  الى  الوصول  إلى كرسي الرئاسة بأي خطاب وأي ثمن.،  متخندقين في  ناد من الأندية ، أو متحالفين لكسب منفعة من المنافع  . إن  ولوج المأموريات، والتعديلات، والحوارات  تتطلب شجاعة وأنفة وقدرة على مواجهة الأعداء بحزم ، والنصح للأخلاء بعزم. وأما هز الرؤوس ، وتكرار سفسطة السياسيين، فلا يغرنكم المداحون منهم فقد أمرنا أن نحثو في وجوه المداحين بلا قلب وقالب التراب، ولا يفزعنكم الرافضون  لها فقد خبرنا هؤلاء  في غياهب السجون ، ومطاردات الأنظمة،و مماحكات الحقب  الاستثنائية، ولدينا من أحوال أخبارهم  ما تعرفون، وما لا تعرفون . إن من يتقدم للمأموريات يجب أن يكون عنده سجل انجازات  ، ولديه تجربة  في تغيير الأنظمة الاستبدادية ، و مقاومة العنف والإرهاب ، وأن يكون مهاب الجانب ، يقارع بقوة فالقوي خير ، والخير أخلاق  أولها وفاء للصديق إذا أصيب، وسد لخلة الظهر اذا غاب فجأة.، وفي موريتانيا لا يوجد الا وجهان لعملة  صكت في الخامس أغسطس، وجربت في الغسق والشفق، وفي الضحى والسحر. عندما أعلن فخامة الرئيس احترامه للقسم، وأكد أن المستقبل لاستمرار نهج الإصلاح وليس للارتكاس ، صفق من صفق ، وبعد أيام نحنح من نحنح. ولكي  تبقى  السفينة  الموريتانية مبحرة  بسلام ، فهناك مجدافان يجب أن يكونا بأيدينا ونحن نخوض غمار2018-2019 سواء قابلنا المصفقين، أو واجهنا  المغاضبين. الأول: ان رؤية فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز بأضلاعها أصبحت معالم لموريتانيا الجديدة: 1- الإسلام  هوية الدولة ودين الشعب. 2- لا مساومة على  الوحدة الوطنية وحضارة  الموريتانيين 3-  الحرص  علة حماية أمن ينهض بخطوط التماس عبر الحدود، وفي الضواحي والمدن . 4- جعل محاربة الارهاب سياسة تنمية مستدامة. 5- تحديث للبني التحتية  حتى نجعل من موريتانيا جزيرة  تتطور في افق ثلاثة حقب دائمة،  ومثابة أمن تقصد خلال هذه العشريات. 6- تصدير نموذج الأخوة بدون رشوة، والمحبة دون اكراه، وهونموذج   إحياء علوم الدين، وثقافات التنوع  والألق والتميز. وثانيها :إذا كانت هذه هي  وجهة  المأموريات، فان شاء الرئيس مدد، وان شاء استخلف، وان شاء فوض، وان شاء أعاد تدوير المنتج. فالأهم الآن  ليس  الألية، وإنما  المهم استمرار مشروعه الوطني الذي حماه  هو ورفاقه  كدا  وجهدا ، في أشد المعارك وطيسا، وأحلك المؤامرات حبكا.

 

<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>